«الأب» لباسل الخطيب: مدوّنة الحرب السورية سينمائياً

ثقافة ومجتمع

2016-12-29 -
المصدر : السفير

سامر محمد اسماعيل

لا يترك باسل الخطيب في أفلامه لحظة لالتقاط الأنفاس بين كادر وآخر، غير أنه في فيلم «الأب» (إنتاج المؤسسة العامة للسينما) يذهب نحو تمديد زمن وقوع الضحية في قبضة الجلاد، مستعيناً هذه المرة بسيناريو كتبه مع وضاح الخطيب لإبرام متتاليات بصرية باذخة بدأها المخرج السوري - الفلسطيني بافتتاحية بانورامية تطل على مكان الحدث، متابعاً استعراض الغابة كمسرح لإعادة تمثيل الجريمة، الغابة بكامل أشجارها وصخورها وبيوتها المموهة بين جبال متباعدة ووديان سحيقة تكاد صرخة الضحية فيها لا تشكل سوى نأمة خافتة أمام وليمة الذئاب التي يطلعنا كل من المخرج والكاتب على تفاصيلها.

]]]

يجد «إبراهيم» (أيمن زيدان) نفسه في عراء كامل مع زوجته وفاء (روبين عيسى) وأبنائهما، بعد اجتياح فصائل من «الدولة الإسلامية» (داعش) لقريتهما الجبلية الوادعة؛ يمكن أن نلتقط هنا حوادث واقعية لم يسعَ الشريط الروائي الطويل إلى تناول حذافيرها، تاركاً المجال لقراءة المجزرة وفق ديكوباج متقن جعل منه الخطيب سديماً ملغزاً لعدسته، فعلى الرغم من التصوير في قلعة الحصن الأثرية، المكان الذي سجل العديد من المعارك الدموية في سنوات الحرب الست، إلا أن صاحب فيلم «مريم» ظلّ مصراً على الابتعاد عن الوثائقي والتسجيلي، ماضياً في كتابة الحكاية سينمائياً، ومن دون الرجوع إلى مصادر قد تشوّش على روايته التي قال إنه «استمدها من المأساة السورية».

هكذا يمضي رب الأسرة وبطل الفيلم في مواجهة غير عادلة مع القتلة، فجميع من معه تحولوا إلى رهائن في يد «أبو قتادة» (يحيى بيازي) القيادي في تنظيم «داعش»: الزوجة والأب والأم المسنان، بناته وأبناؤه وبنات جيرانه، كلهم سقطوا تحت رحمة أصحاب الأعلام السوداء، وذلك بعد شبه نجاحهم بالفرار من المستشفى الذي حوصروا فيه، بعد أن يقرر «الضابط» (علاء قاسم) خطة انسحاب مع اكتشافه بأن مقاتلي «داعش» قد شرعوا بحفر نفق تحت المستشفى لتفخيخه، ونسفه والقضاء على حاميته من جنود الجيش السوري ومَن معهم مِن عائلات هاربة التجأت إليه من القرى المجاورة.

مواجهة لا تترك أبعاداً بين الكاميرا والرصاصة، بين السواطير والسينما، فالضحية برغم فراستها ونبلها وترفعها تصير مثار تسليةٍ وتزجيةِ وقتٍ في يد مقاتلي «الدولة» إذ يقيمون محاكم شرعية وميدانية، ويحاسبون الناس حسب معرفتهم أو عدمها بعدد ركعات صلوات الأوقات الخمس. النساء للسبي أو للاغتصاب، والرجال يُعدمون صلباً على أعمدة الكهرباء، أو تُجزُّ أعناقهم أمام زوجاتهم وبناتهم، أما الأطفال فيخضعون لدورة مكثّفة تحت عنوان سريالي: «أشبال الخلافة» وصولاً إلى المشهد الأخير الذي سجله الخطيب هذه المرة بلقطات قريبة ومؤلمة، حين يوكل كل من زعيم التنظيم وأميره الشرعي (رامز عطا الله) مهمة تعليم هؤلاء «الأشبال» لـ «إبراهيم» معلّم القرية بعد خضوع هذا لما يسمى «دورة استتابة» إلا أن «مدرّس» القرية يرفض الامتثال لأوامر «مفتي التنظيم» مخاطباً تلامذته الصغار بما يمليه عليه ضميره المهني كمعلّمٍ لطالما زرع فيهم ثقافة التنوير وحب بلادهم لا ثقافة القتل والتجهيل.

بارقة أمل

مجابهة ينهيها مخرج فيلم «الأب» على غرار جمل موسيقية لافتة للفنان سمير كويفاتي بتغيير الطفل وجهة مسدّسه المرفوع نحو رأس معلّمه الخمسيني، رافضًا تنفيذ حكم «التنظيم» بأستاذه في المدرسة. نهاية رمزية تركت ولو بارقة أمل بجيل سيكبر وسيعرف طريقه برغم أنه أمسى أسير مناهج تكفيرية وتربية لانغماسيين صغار، ذنبهم الوحيد أن أجسامهم الغضة أصبحت اليوم مادةً للتفخيخ ومشاريع لانتحاريين مرتقبين في ساحات وشوارع المدن والبلدات السورية.

لا يكتفي مخرج الفيلم بهذه المواجهة مع واقع قاتم، بل يحيلنا إلى أجواء كابوسية ربما تقصدها الخطيب هذه المرة بجرعة عالية من مشاهد صقيعية ممزوجة بدماء الضحايا وبكائهم تحت وقع صليل السكاكين، مُمرّراً لقطات صادمة لسلوك الجماعات الإرهابية على الأرض السورية، وما آلت إليه حال عشرات العائلات التي فقدت بيوتها وأرزاقها، وقُتِل أبناؤها واغتصبت نساؤها أمام أنظار رجالهم.

وثيقة سينمائية لا شك أنها قاسية ومرعبة، لكنها تبدو بمثابة صرخات عمياء عن ضحايا حرب حفروا قبور من يحبون بأيديهم، لنرى ما فعلته آلة الإرهاب في أجساد الأبرياء والعزّل، لا سيما من خلال قصص فرعية سجلها صاحب فيلم «الأم» بروية وهدوء، محاولاً إعداد ما يشبه مدوّنة سينمائية عن أبشع طرق الاعتداء على الإنسان ومحاولة تحطيمه من الداخل وتدمير قناعاته، لتبرز سادية القاتل وولعه بالذبح والهتك، وتنفيذ أوامر الإعدام الميدانية بمعلّم رسم (محمد زرزور) ذنبه الوحيد أنه لا يعرف كيف يصلّي!

 (دمشق)

-
عدد الزيارات
3173
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 21 تموز

فنان هذا المولود يجمع إلى طرافة الجوزاء شفافية السرطان وبين الطرافة والشفافية حب للأشياء المستحدثة والفن والموسيقى . هذا المولود المزاجي الذي يجمع بين هوائية…
2017-07-21 -

الانعطاف إلى الواقعية

نشرت صحيفة "كراسنايا زفيزدا" مقالا بقلم ماريا توميلينكو عن الأوضاع في سورية، تشير فيه إلى أن القوات الحكومية تستعيد السيطرة تدريجيا على مناطق البلاد. كتبت…
2017-07-20 -

أخبار وتقارير اسرائيلية.. يعلون: اسرائيل تتعاون سرا مع السعودية حيال الحرب في سورية.. أجهزة الأمن الاسرائيلية تقترح حلا وسطا لإنهاء…

القناة العاشرة: وزير الحرب الاسرائيلي السابق يكشف عن تعاون سري مع السعودية في كل ما يتعلق بالحرب في سورية قال وزير الحرب الإسرائيلي السابق، موشيه…
2017-07-20 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 22 تموز

الحمل الأمور العاطفية والمالية ليست الأفضل لذلك كنت أنصحك بقبول بما هو موجود والسعي وراء ما هو غير موجود هذا الشهر ولكن بعيدا عن العصبية الثور قد تناقش قضايا شخصية دخولك في نقاشات يجعلك تجد حلولاً لمشاكل معلقة فالقمر موجود في بيت الاتصالات والأنشطة الرياضية والحماس والحركة والدعم الجوزاء دخلك…
2017-07-21 -

حركة الكواكب يوم 22 تموز

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في الميزان مما يحذر مواليد برج السرطان عاطفيا و الجدي من احتيال و برج الحمل من وعود كاذبة عطارد كوكب السفر والأوراق يتقدم في برج الأسد مما يحذر برج الثور عمليا المريخ كوكب النزاعات و الطاقة في برج السرطان مما يحذر برج الميزان…
2017-07-21 -
2017-07-21 -

منتخب سورية الأولمبي يتعادل مع منتخب تركمانستان سلبا في تصفيات آسيا

أضاع منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم نقطتين ثمينتين بعد تعادله مع منتخب تركمانستان سلبا اليوم في العاصمة القطرية الدوحة في الجولة الثانية من التصفيات المؤهلة… !

2017-07-22 -

تقرير الـsns: لافروف: آلية منطقة تخفيف التوتر جنوبي البلاد ستنطلق في أقرب وقت.. مدير الاستخبارات الأمريكية: مصالحنا وموسكو في سورية متباينة..؟!

أشار مايك بومبيو مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إلى أن مصالح واشنطن وموسكو متباينة في سورية، وهما ليستا حليفتين هناك، معتبرا أن روسيا تسعى إلى… !

2017-07-21 -

إليسا: ما عنا ولا حادث قطار بلبنان.. الحمدلله!

غردت النجمة إليسا عبر حسابها على موقع تويتر، وكتبت: “لول، آخ يا بلدنا”. وسخرت إليسا من وضع هيئة سكة الحديد في لبنان، فكتب:"بعد إقرار السلسلة،… !

2017-07-21 -

تقرير الـsns: النظام الداخلي الجديد يطيح «هدية» البرلمان.. واستعادة أكثر من 40 بئرا نفطية في الرقة..؟!

ذكرت صحيفة الأخبار في تقرير لها أنّ ملامح التجربة النسائية لرئاسة مجلس الشعب السوري، التي بدأت قبل أكثر من عام، لم تكتمل بعدما تلقّى السوريون… !

2017-07-20 -

التعليم العالي تعلن عن تقديم منح ومقاعد دراسية في الجامعات المصرية

أعلنت وزارة التعليم العالي عن تقديم 5 منح دراسية و20 مقعدا دراسيا للحصول على الإجازة الجامعية في مختلف الاختصاصات التي توفرها الجامعات المصرية وفق معدلات… !

2017-07-20 -

سامسونغ تخطط لاسترجاع المعادن النادرة من هواتف نوت 7

تخطط سامسونغ لإعادة تدوير 157 طنا من المعادن النادرة، بما في ذلك الذهب، الموجودة في هواتف غالاكسي نوت 7 التي تم استدعاؤها سابقا. واضطرت الشركة… !

2017-06-13 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات المحلية

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 172 لعام 2017 القاضي بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات… !

2017-07-22 -

تقرير الـsns: لبنان: المقاومة تكسر خط دفاع «النصرة»:

انطلقت فجر أمس معركة تحرير جرود عرسال. وشهدت أولى مراحل المعركة مواجهات عنيفة حققت فيها المقاومة تقدماً وسيطرت على عدد من المواقع المهمة، وكسرت خط… !

2017-07-12 -

بوتين يحيي الصحافة الناطقة بالروسية ولوكاشينكو يعتبر اللغة الروسية ثروة لبلاده

حيّا الرئيس فلاديمير بوتين رؤساء تحرير الصحافة الناطقة بالروسية المؤتمرين في مينسك وذكّرهم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم لتغطية الأحداث التي يشهدها العالم بحياد وشفافية.… !

2017-07-21 -

حظوظ الأبراج ليوم 21 تموز

الحمل  لا تكبت أحاسيسك السلبية ولا تفقد الأمل ولا تسمح للفراغ العاطفي أو القلق الداخلي أن يجتاحك الثور  تفكر بسفر أو تجمع مرح أو دعوة لأصدقاء وتتمتع بحيوية وحماس فاليوم للعائلة ويمكنك أن تستعيد نشاطك …

2017-07-21 -

حظوظ الأبراج ليوم 22 تموز

الحمل  الأمور العاطفية والمالية ليست الأفضل لذلك كنت أنصحك بقبول بما هو موجود والسعي وراء ما هو غير موجود هذا الشهر ولكن بعيدا عن العصبية الثور قد تناقش قضايا شخصية دخولك في نقاشات يجعلك تجد…