خلفية قرار خفض الوجود الروسي في سورية والمفاعيل.

مقالات مختارة

2016-03-18 -
المصدر : البناء

كما شغل العالم منذ 6 اشهر يوم اعلن بوتين تلبية الطلب السوري بتقديم مساعدة عسكرية عملانية في سورية فقد كانت دهشته و انشغاله اكبر بالقرار الذي اتخذه بوتين  أيضا بالتنسيق مع الرئيس الأسد و المتضمن تقليصا للوجود العسكري الروسي في سورية ، قرار اختلفت التفسيرات حوله حتى التناقض بين من رأى في القرار رسالة سلبية لسورية للضغط عليها من اجل التنازل في العملية السياسية و بين من رأى فيه عكس ذلك دعما للعملية السياسية دون التفريط بالورقة العسكرية او الاضرار بالقدرات العسكرية المستعملة في الميدان السوري ، فاين هي الحقيقة هنا ، ثم ما هي مفاعيل القرار و تداعياته على المسارين العسكري والسياسي في سورية ؟

لا شك بان للقرار الروسي أهمية استثنائية في ظرفه وفي انعكاسه على المشهد السوري، لكن وحتى يفهم الامر جيدا علينا ان نعود فيه الى أصل الموضوع ومنتهياته حيث ان الوجود العسكري الروسي العملاني كان بناء لطلب سوري وكانت الاستجابة يومها محددة في المهلة والمهمة. والكل يذكر بان المسؤول الروسي حدد المهلة في الساعات الأولى من الدخول العملاني الى سورية حددها ب 4 أشهر ثم رفعها الى 6 أشهر وربطها أخيرا بإنجاز المهمة، وامتنع بعد ذلك عن التداول بمهلة معينة عملا بمبدأ المفاجأة العملانية والاستراتيجية معا.

و اليوم نجد ان المهلة انصرمت ، و المهمة التي حددت نفذت بجوهرها فتمت استعادة مساحات واسعة من يد المسلحين و باتت يد الجيش العربي السوري في الميدان مع حلفائه هي العليا و جردت المجموعات الإرهابية و المسلحة من معظم قدراتها الهجومية ، و اقتنعت قيادة العدوان على السورية بان اسقاطها مستحيل ، و مع تطبيق وقف العمليات القتالية و خفض مستوى الشدة في المواجهة في الميدان بنسبة تتراوح بين 35 الى 50 % فقد تراجعت الحاجة الى المساعدة بالحجم التي هي عليه الان ، و بات تخفيض المساعدة غير مضر بالميدان و غير مؤثر على فرص الجيش العربي السوري لمتابعة العمل في مواجهة الإرهابيين الذين لم يشملهم وقف العمليات خاصة و ان الطيران السوري في الفترة الاخيرة تلقى المساعدات التي جعلت قيادته تؤهله بالشكل الملائم للعمليات الجارية .

ومن جهة أخرى يجب ان لا ننسى بان القرار الروسي هو قرار تقليص الوجود او خفض مستوى المشاركة العسكرية الروسية في الميدان السوري وليس قرار انسحاب من سورية. وهنا لا بد من الإضاءة على طبيعة الوجود العسكري وعناوينه الثلاثة التي يتعلق الأول منها بالشأن العملاني بشقيه الاسناد المباشر للقوات في المعركة، والعمليات العسكرية والتدميرية ضد الجماعات الإرهابية وبنيتها التحتية وخطوط امدادها ومنظومات القيادة والسيطرة لديها، اما الثاني فيتعلق بمسألة الدفاع الجوي وحماية الأجواء السورية من أي تدخل أجنبي تستفيد منه المجموعات الإرهابية، ويبقى الثالث وهو المتعلق بالدعم والاسناد اللوجستي للجيش العربي السوري. ومع هذا التقسيم فان من المهم التأكيد على ان التخفيض طال العنوان الأول في شقه المتصل بالإسناد الجوي للقوات البرية وهو الشأن الذي بات الطيران السوري قادرا على ملء الفراغ فيه وبكفاءة عالية، اما محاربة الإرهاب والدفاع عن الأجواء السورية او الدعم اللوجستي فان الخفض لم يؤثر عليها ولهذا كان التأكيد الروسي الحاسم على إبقاء منظومة الدفاع الجوي س 400 مع قاذفات جوية كافية لتنفيذ المهمة فضلا عن بقاء قاعدة حميميم وطرطوس رؤوس جسور اللوجستية الروسية الى سورية.

هذا عسكريا ، اما سياسيا و استراتيجيا فان للقرار وقع ومفاعيل هامة يمكن التوقف عندها بدءا بالشأن السياسي ، حيث نجد فيه ان روسيا التي باتت احد راعيين اثنين لعملية سياسية تهدف الى وقف الحرب في سورية ، و هي الرعاية التي قادت الى انتاج القرار 2254 الذي تضمن وقف العمليات القتالية و اطلاق الحوار السوري - السوري برعاية دولية ، ان روسية وهي  في هذا الموقع الرعائي للعملية السياسية لا يمكنها ان تكون طرفا فاعلا في الميدان و شريكا في القتال و ان تكون في الوقت نفسه راعيا للحل السياسي ، فبديهي هنا و من اجل سلامة المنطق و الصلح مع الذات ان تنكفئ من الميدان المباشر و لا تبقى الا في النطاق الذي لا يؤاخذها عليه احد او لا ينفر منها  أحد من المشاركين في العملية السياسية ، لتكسب مرونة لإنجاح المفاوضات ، مع رفع منسوب ثقة المعارضة بها و في هذا ستكون بالنسبة لأطراف الحوار السوري في موقع افضل من اميركا التي تملي على المعارضين و لا تحوز ثقة الحكومة السورية بينما نجد روسيا على العكس تنسق و تتفاهم مع سورية و توحي بالثقة للمعارضين و هذا في مصلحة العملية السياسية .

بالإضافة الى ذلك تجد روسيا ان من مصلحتها و مصلحة الحكومة السورية من الوجهة السياسية و المعنوية ان تنكفئ قليلا في الميدان في فترة زاخرة بالاستحقاقات و المواقف حتى لا تكون شريكا في المسؤولية عن قرارات سورية  سيادية حيث تتمسك الحكومة السورية بثوابت لا تراجع عنها ، تمسك قد يترجمها البعض بانها عرقلة للمسيرة السياسية .و من الأمثلة على هذا تبرز المواقف السورية بشأن اجراء الانتخابات النيابية و التمسك بالدستور القائم و العمل به حتى يعدل بقرار من الشعب السوري ، فضلا عن الخيارات الاستراتيجية الأساسية للدولة ووحدتها و شكل الحكم فيه وسيادتها و قرارها المستقل. فروسيا تساعد الحكومة السورية ولا تحل محلها او محل الشعب السوري وعلاقة روسيا بسورية علاقة صداقة ومصالح قائمة على الاحترام المتبادل بخلاف علاقة اميركا بمن يسمون حلفاءها في المنطقة والتي هي علاقة تابع ومتبوع يملي عليه سيده في كل شيء بدءا من تعين الحاكم ونزولا.

بالإضافة الى ذلك لا بدمن الإشارة الى ان القرار لا يمكن ان يمس العلاقة الاستراتيجية السورية الروسية باي شكل من الاشكال لان هذه العلاقة ضرورية وهامة للطرفين ، فروسيا التي تعرف ان البوابة السورية هي التي اعادتها الى المسرح الدولي لترسي توازنا دوليا فقد منذ العام 1989 ، ما جعلها قطبا رئيسيا لا يمكن ان يتجاوز  في القرار الدولي ، تعلم جيدا ان التفريط بالورقة السورية انما هو تفريط بالمصلحة الروسية ذاتها و على وجهين الوجه  السياسي العام المتصل بدورها الدولي و الوجه الأمني و ما فيه من تفريط باستقرارها وامنها القومي و هو امر لطالما قلنا فيه ان الدفاع عن موسكو بوجه الإرهاب انما يبدأ في الدفاع عن  دمشق و لنذكر بقول كاترين احدى قياصرة روسيا عندما كانت تصر على أهمية اتصال روسيا بالمياه الدافئة فتقول ان "مفتاح موسكو موجود في دمشق" . وعلى هذا الأساس نرى انه في أي لحظة ترى فيها روسيا حاجة لرفع مستوى الوجود العسكري في سورية من اجل حفظ المكتسبات وحماية المصالح فأنها لن تتردد ابدا في فعله والمسافة بين موسكو ودمشق جوا لا تتطلب أكثر من 5 ساعات فقط.

 على هذا الأساس نجد بان القرار الروسي بتقليص الوجود العسكري في سورية ليس من شأنه احداث تغيير في موازين القوى العسكرية بشكل يؤذي سورية او يؤثر على المكتسبات الي تحققت مؤخرا ،لكنه يؤمن مصالح سياسية روسية هامة لجهة التنصل من المسؤولية عن القرارات السيادية التي تتخذها سورية التي تربطها  بها علاقة صداقة يحكمها التشاور و التنسيق بعيدا عن علاقة التبعية التي يحكمها منطق السيطرة و الامرة ، كما يخرج روسيا من دائرة الاتهامات الظالمة التي كانت تساق ضدها لجهة القول "بالاحتلال الروسي لسورية" فضلا عن كونه يعطي روسيا مرونة كبيرة في التعامل مع العملية السياسية .

لقد اتخذت روسيا قرارها المنسق مع القيادة السورية و هي على ثقة تامة بان سورية التي صمدت مع حلفائها في محور المقاومة طيلة خمس سنوات و اجهضت العدوان عليها ،هي الان في ظروف و تملك من القدرات ما يمكنها من انجاز ما تبقى من مهمة الدفاع ، خاصة و ان من خطط للحرب على سورية بات مقتنعا بان نجاحه في عدوانه بات مستحيلا و اتجه الى الإقرار بوجوب وقف الحرب ، كما قال كيري مؤخرا "ان الأوان لوقف الحرب في اليمن و سورية " ، في موقف اطلقه ليتكامل مع مواقف أخرى ترسم مشهدا ينبئ باننا اليوم على عتبة مرحلة الحل ،و هنا الرسالة الأساسية التي ارادت ان ترسلها روسيا بقرار تخفيض قواتها لتقول لكل من يعنيه الامر" ان الحرب في سورية انتهت " و لم يعد الامر يتطلب اكثر من تعهد و صيانة المكتسبات و تراكم المزيد منها وفقا للمتاح ، عمل تملك القوات العربية السورية و الحلفاء في محور المقاومة مؤهلات كافية و قدرات موثوقة لإنجازه ،  وهي رسالة تجاوزت ما اعلنه كبير محققي الأمم المتحدة في جنيف عندما قال " للمرة الأولى منذ 5 سنوات بات الامل كبيرا بانتهاء الحرب في سورية".

.

                                                                                                             العميد د. امين محمد حطيط

عدد الزيارات
393
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 16 تشرين الأول

مولود حماسي ، شجاع مقدام ، لكنه لا يعرف الصبر ولا يطيق الانتظار ، فالوقت من ذهب والعمر قصير والطموحات كثيرة . إذا شعر أنه…
2018-10-15 -

حركة الكواكب يوم 15 تشرين الأول

المشتريكوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية يسكن هذا العام في العقرب وفي الشهر الأخير من العام يتحرك باتجاه القوس و حركته عام واحدو هو كوكب…
2018-10-15 -

تقرير الـsns: فتح معبريّ الجنوب: سورية تحصد انتصاراتها... ولبنان والأردن يتنفّسان..!

أكد الرئيس بشار الأسد أمس خلال استقباله إبراهيم الجعفري وزير الخارجية العراقي والوفد المرافق له، أن الانتصارات التي تحققت على الإرهاب في سورية والعراق هي…
2018-10-16 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 17 تشرين الأول

الحمللاحظ كم الدعوات التي تأتيك أو الإعجاب الذي يرافقك فأنت تدعم علاقاتك القديمة وترسخها لذلك امنح وقتاً كافياً للشريك وضعا خطط المستقبل فأنت تزدهر بالمحبة وتفرح للتعارف والاتصال الثورقد يكون إزعاجك من أحد الأصدقاء بسبب كلمة أو خلاف على وجهة نظر فحاول أن تتقبل الآخرين بعيوبهم واغفر لهم أخطاءهم…
2018-10-16 -

تقرير الـsns: لفلفة برعاية أميركية: إبن سلمان بريء من دم خاشقجي..!!

أكد مصدر أمني تركي لوكالة "رويترز" أن الشرطة التركية تملك تسجيلا صوتيا يثبت مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية السعودية في اسطنبول. وامتنع المصدر عن تقديم المزيد من التفاصيل بشأن التسجيل. إلى ذلك، زعم أردوغان أن تركيا الدولة الوحيدة القادرة على ريادة العالم الإسلامي بأسره، بإرثها التاريخي وموقعها الجغرافي…
2018-10-16 -
2018-10-16 -

المنتخب السوري يسقط في اختبار الصين

خسر منتخب سورية لكرة القدم أمام نظيره الصيني بهدفين دون رد في مباراة ودية جرت اليوم على الملعب الأولمبي بمدينة نانجينغ الصينية تحضيرا لنهائيات كأس… !

2018-10-16 -

اليان مسعد : الهيئة العليا للتفاوض أصبحت هيكلاً لا معنى له .. وأحمد طعمة يتأمل بأشياء مستحيلة التطبيق في إدلب

أكد رئيس هيئة العمل الوطني السوري ورئيس وفد معارضة الداخل إلى جنيف اليان مسعد لميلودي اف ام أن "الهيئة العليا للتفاوض أصبحت هيكلاً لامعنى له… !

2018-10-16 -

نيكول كيدمان: “تزوجت من توم كروز ليحميني من التحرش في هوليوود”

كشفت الممثلة العالمية نيكول كيدمان أنها تزوجت من الممثل العالمي توم كروز ​ لكي تحمي نفسها من التحرش الجنسي في هوليوود. وجاء ذلك التصريح في… !

2018-10-16 -

مجلس الوزراء: تطوير مركز نصيب الحدودي.. مليارا ليرة لمشاريع بحماة وتوسيع مشروع منتجات المرأة الريفية

طلب مجلس الوزراء في جلسته اليوم برئاسة المهندس عماد خميس رئيس المجلس من وزارات الأشغال العامة والإسكان والداخلية والإدارة المحلية والبيئة والمالية والاقتصاد والتجارة الخارجية… !

2018-10-13 -

طفلة سورية تنضم لإحدى أهم الجامعات الموسيقية في العالم

تتابع الطفلة السورية بيرولين جورج ثاني ابنة الـ 11 عاماً تقدمها في المجال الموسيقي العالمي بتحقيقها المركز الأول في امتحان القبول بجامعة فيينا للموسيقا والفنون… !

2018-10-16 -

نظارة ذكية لمساعدة المكفوفين..مشروع لطلاب سوريين

دراسة وتنفيذ نظارة ذكية للتعرف على الأشياء ونطق مسمياتها باللغة العربية لمساعدة الكفيف هي ماهية المشروع المتميز الذي قدمه الطلبة مجدي سكاف ويارا الفياض وبيان… !

2018-10-15 -

الرئيس الأسد يصدر قانونا بإعفاء العمال المكتتبين على مشروع سكن العاملين في الدولة من احتساب مدد تأخير سداد الأقساط الشهرية

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم القانون رقم 34 لعام 2018 القاضي بإعفاء العمال المكتتبين على مشروع سكن العاملين في الدولة لدى المؤسسة العامة للاسكان… !

2018-10-16 -

لافروف: الغرب شعر بالرعب عند إطلاعه على أعمال "الخوذ البيضاء"

صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن الدول الغربية تخشى استقبال عناصر "الخوذ البيضاء" على أراضيها بعد أن اطلعت على تفاصيل عملهم في سوريا. وأشار… !

2018-10-13 -

عودة البث الإذاعي والتلفزيوني إلى دير الزور بعد انقطاع دام 7سنوات

تمكنت الفرق الفنية اليوم من إعادة البث الإذاعي والتلفزيوني إلى محافظة دير الزور بعد 7 سنوات من انقطاعه جراء الاعتداءات التي قامت بها التنظيمات الإرهابية… !

2018-10-15 -

حظوظ الأبراج ليوم 16 تشرين الأول

الحمل  قد تأخذ قراراً بالابتعاد عن الجميع فكل ما حولك لا يعجبك وقد تشعر أن  كل جهودك لا تعجب من حولك  وكأنهم غير راضين عن عملك أو عن تصرفاتك فأنت تكره الضغط واليوم للأوامر   الثور    اليوم…

2018-10-16 -

حظوظ الأبراج ليوم 17 تشرين الأول

الحمل  لاحظ كم الدعوات التي تأتيك أو الإعجاب الذي يرافقك فأنت تدعم علاقاتك القديمة وترسخها لذلك امنح وقتاً كافياً للشريك وضعا خطط المستقبل فأنت تزدهر بالمحبة وتفرح للتعارف والاتصال   الثور    قد يكون إزعاجك من أحد الأصدقاء…