"زهايمر" القارة العجـوز..!

رأي البلد

2018-12-11 -
المصدر : محطة أخبار سورية - خاص

بديــع عفيــف

لو أنّ أحداً توقع قبل شهرين ما يحدث في فرنسا هذه الأيام، لكان الجميع وصفه بـ"العته" والجنون وحتى الغباء؛ إذ كيف يجرؤ أحد على مجرّد تخيل أنّ "عاصمة النور" والثقافة يمكن يحصل فيها ما حصل في الشهر الماضي، وآخره يوم السبت، الثامن من كانون الحالي؛ مَن كان يصدّق أنّ عاصمة "الحرية" و"الديمقراطية" و"حرية الرأي" و"الفكر" يمكن أن تتحوّل في أيام إلى عاصمة للتخريب والحرق والتكسير والسرقة والنهب والغازات المسيلة للدموع، والمدرعات والاعتقالات، وأنْ يعلن وزير مالية فرنسا أنّ الوضع كارثي، وأنْ يطالب وزير خارجيتها الرئيس الأمريكي بعدم التدخل في الشؤون الفرنسية، وأنّ يتم البحث عن متهم خارجي لتحميله مسؤولية ما يجري؟! وبالطبع، ليس من فراغ أن "يشمت" الرئيس ترامب بالفرنسيين أو أن يرفع الرئيس التركي أردوغان عقيرته ويرفض أن "ينظّر" أحدٌ عليه بعد اليوم بـ"الديمقراطية"..؟!!

لقد أثبتت الأحداث في فرنسا أنّ ردّة الفعل الشعبية تكاد تكون واحدة، لا فرق بين دولة من العالم الثالث أو من العالم الأول؛ عندما تتعرض مصالح الناس ولقمة عيشها للخطر، فإن ردّة فعلها ستكون متشابهة؛ بل نكاد نجزم أنّ ردّة فعل شعوب العالم الثالث تكون أقل قسوة لأنها تستطيع تحمّل الحرمان والفقر وشظف العيش بشكل أكبر، وقد اعتادت عليه.

سمّه ما شئت؛ الربيع الفرنسي؛ الشتاء الفرنسي؛ الفوضى الأوروبية الخلاقة... الخ؛ لم تعد مهمة التسميات، فتسليط الضوء على ما يجري في فرنسا وبقية أوروبا، يوضّح أنّ القارة العجوز أصابها الخرف وهي تسير في طريق الانحدار الشديد، ولكن ما لا نعرفه هو مدى السرعة التي ستمضي بها إلى القعر وتصطدم بالجدار، ولنلاحظ بعض ما يجري بهدوء؛

أولاً، لم تعد الوحدة الأوروبية حلماً للشعوب الأوروبية كما كان يتم تصويرها، بل إنّ العديد من هذه الشعوب، ولاسيما في الدول الغنية، تعتبر أنّ البقاء في الاتحاد الأوروبي يشكل عنصراً ضاغطاً عليها وخطراً على مستقبلها وتطلعاتها ويجب التخلص منه؛ وليس البريطانيون وحدهم من يريد الخروج من الاتحاد الأوروبي؛ إذ لو فٌتِح المجال أمام الآخرين لربما سبقوا البريطانيين في الخروج من هذا الاتحاد البيروقراطي العقيم؛

ثانياً، رغم سنوات الوحدة الأوروبية الطويلة، فما زالت الخلافات بين الدول الأوربية كبيرة، والفجوة تتزايد اتساعاً بين الأغنياء والفقراء، وفي الفكر والثقافة وغيرها، وما زال الشعور الوطني في كل بلد متفوقاً على الشعور  بالانتماء "لأوروبا" الموحدة، وما زال كل كيان يبحث عن مصالحه أولاً، حتى ولو كان على حساب مصالح الشركاء الآخرين؛ هل نسأل عن الفوارق بين اليونان وألمانيا وإيطاليا وغيرها...؟! أضف، أنّ إدخال أعضاء جدد من حلف "وارسو" السابق في الاتحاد الأوروبي ساهم في زيادة مشاكل الاتحاد والأعباء الاقتصادية عليه، وخلق مشاكل جديدة تراكمت فوق تلك القائمة وزادتها تعقيداً.

ثالثاً، إنّ العلاقات عبر الأطلسي لم تعد كما كانت في العقود السابقة؛ التنافس بين الحلفاء الغربيين يضاهي نظيره بين أوروبا وكل من روسيا والصين؛ "أمريكا أولاً"، شعار رفعه الرئيس الأمريكي القادم عبر عالم الانترنيت و"تويتر"، جعل أوروبا تشعر، وللمرة الأولى منذ عقود، أنها وحيدة، مسؤولة عن اقتصادها وعن أمنها وعن مستقبلها، وأنّ الشريك الأمريكي يريد منها أن تدفع ثمن كل ما قد يقدمه لها وهو بالمناسبة قليل جداً، إذ أنّ "السكافي حافي" كما يقول المثل الشعبي؛ فالمصالح الأمريكية لم تعد متطابقة تماماً مع المصالح الأوروبية وقد رأينا تبادل التهديد بالعقوبات والمطالبات الأمريكية للأوروبيين بالدفع، شأنهم شأن السعودية أو أي دولة من دول الخليج، وأنّ ترامب المتغطرس لا يكنّ الكثير من الاحترام للشركاء الضعفاء.

رابعاً، إنّ وضع أوروبا في المجال الأوراسي ليس بأفضل حال، لاسيما في ظل التعاون الروسي الصيني المتزايد، والذي يتطور رويداً رويداً وبخط تصاعدي ليشكّل في الشرق، قيادة اقتصادية عسكرية جديدة للعالم، تمتلك الموارد المتنوعة والثروات والأسلحة والإرادة والعزم والقدرة على المنافسة وجذب الاستثمارات وتحقيق التقدم والتنوع، وبدون تلك البصمة الاستعمارية للغرب، وهذا بدون أدنى شك سيكون على حساب الأوروبيين أيضاً. وليس عبثاً أن تتجه ألمانيا وبريطانيا لعقد الاتفاقيات مع المارد الصيني، أو أن تحاول الولايات المتحدة محاصرة روسيا بالعقوبات، وعرقلة تقدّم الصين بالحرب التجارية؛ الولايات المتحدة بدأت تدرك أنها لن تستطيع أن توقف زحف الشرق نحو الصدارة والقمة، ولكنها تحاول إبطاءه.

أوروبا مشتتة ومربكة ولا رؤية موحدة لديها، ولا منقذ يقودها ولا مخلّص تعتمد عليه. وحيث أنّ المنافسين كثر وأقوياء، فإن القارة العجوز تسير بدون توازن وكأنها أصيبت في روحها، ومن الصعب التفاؤل بمستقبل أفضل لها وسط هذا الزهايمر المنتشر في أرجائها..؟!!

 

 

عدد الزيارات
1689
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 18 كانون الثاني.. كيفين كوستنر ممثل أميركي

العامل المجد الأكثر حكمة والأكثر منطقية. عقلاني مصمم عنيد مسيطر .. يفكر قبل أن يتصرف أو يقول .. قلما يخطئ .. المال لديه يعني الكثير…
2019-01-17 -

حركة الكواكب يوم 17 كانون الثاني

المشتريكوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية في القوس و حركته عام واحدمما يحذر مواليد برج الجوزاء عاطفيا و العذراء عائليا و برج الحوت عمليا عطاردكوكب…
2019-01-16 -

حركة الكواكب يوم 18 كانون الثاني

المشتريكوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية في القوس و حركته عام واحدمما يحذر مواليد برج الجوزاء عاطفيا و العذراء عائليا و برج الحوت عمليا عطارد كوكب…
2019-01-17 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 18 كانون الثاني

الحمل أنت في الفترة الأفضل لتمتين علاقاتك بأصدقائك وبزوجتك وبأهلك فأنت متعاطف وسعيد وقد تفكر بسفر وتتواصل مع المحيط فأنت مرح وحيوي وتجيد الإصغاء لمن حولك وهذه الفترة تحمل لك الخير الثور أتمنى أن تعيد بناء الثقة بينك وبين محيطك سواء أكان عملياً أو شخصياً وانتبه من احتيال أو…
2019-01-17 -

صفات مولود 18 كانون الثاني.. كيفين كوستنر ممثل أميركي

العامل المجد الأكثر حكمة والأكثر منطقية. عقلاني مصمم عنيد مسيطر .. يفكر قبل أن يتصرف أو يقول .. قلما يخطئ .. المال لديه يعني الكثير .. يسعى لتأمينه والحصول عليه بعمله وجهده .. يؤمن أن الجهد يوصل إلى الأعلى فيتسلق سلم النجاح خطوة خطوة بثقة عظيمة بنفسه وهدوء وصبر .…
2019-01-17 -
2019-01-15 -

سورية تودع كأس آسيا بخسارتها أمام أستراليا بهدف قاتل

أنهى منتخب أستراليا أحلام منتخبنا الوطني بهدف قاتل من توم روجيتش في الدقيقة 93، وتأهل برفقة الأردن إلى ثمن النهائي. وانتهى اللقاء بفوز أستراليا بنتيجة… !

2019-01-17 -

الرئيس الأسد لوفد روسي: أهمية مواصلة التعاون والتنسيق بين الجانبين وخاصة في مكافحة الإرهاب والإطار السياسي والاقتصادي

استقبل السيد الرئيس بشار الأسد صباح اليوم وفدا من حزب روسيا الموحدة برئاسة ديمتري سابلين عضو مجلس الدوما. وجرى خلال اللقاء بحث العلاقات السورية الروسية… !

2019-01-18 -

كاظم الساهر يفاجئ جمهوره بالرقص على المسرح

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو للفنان كاظم الساهر، يظهر فيه وهو يرقص الدبكة على المسرح في حفله الأخير في فرنسا. حيث ظهر الفنان… !

2019-01-18 -

رئاسة مجلس الوزراء تصدر لوائح جديدة لتعيين 195 من ذوي الشهداء العسكريين

أصدرت رئاسة مجلس الوزراء اليوم لائحة اسمية جديدة لتعيين 195 مواطناً من ذوي الشهداء العسكريين المستحقين فرصة العمل بعد دراسة الطلبات المستوفية للشروط من قبل… !

2019-01-16 -

جامعة دمشق وفروعها تعلن تأجيل امتحاناتها يوم غد إلى موعد يحدد لاحقا بسبب الأحوال الجوية السائدة

أعلنت جامعة دمشق وفروعها في درعا والسويداء والقنيطرة عن تأجيل امتحانات يوم غد الخميس /17/1/2019/ إلى موعد يحدد لاحقا بسبب الأحوال الجوية السائدة. وأوضح رئيس… !

2019-01-18 -

العثور على أقدم نسخة من الجدول الدوري للعناصر الكيميائية

عثر باحث من جامعة سان أندريه في اسكتلندا على لفافة ورقية فيها الجدول الدوري للعناصر الكيميائية، للعالم الروسي دميتري مندلييف، يقدر عمرها بـ 133-140 سنة.… !

2018-12-26 -

الرئيس الأسد يصدر قانوناً بإعفاء القروض الممنوحة للمتعاملين مع المصرف الزراعي التعاوني من الفوائد العقدية وفوائد وغرامات التأخير المترتبة عليها

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم القانون رقم (46) لعام 2018 القاضي بإعفاء القروض الممنوحة للمتعاملين مع المصرف الزراعي التعاونيمن كل الفوائد العقدية وفوائد وغرامات… !

2019-01-18 -

الأحمر يضاف إلى الأصفر في احتجاجات فرنسا!

مع كل سبت، تستعد فرنسا لموجة أخرى من الاحتجاجات التي أطلقتها "السترات الصفراء" قبل شهرين، لكن جزءا من الفعاليات الاحتجاجية سيرتدي لونا آخر وسيتخذ رمزا… !

2019-01-11 -

وزارة الإعلام تكرم رواد الدراما الإذاعية

كرمت وزارة الإعلام مساء أمسرواد الدراما الإذاعية السورية ممن كانت لهم بصمة في تاريخ الدراما الإذاعية وفي ذاكرة السوريين عبر أعمال إذاعية تناولت قضايا اجتماعية… !

2019-01-16 -

حظوظ الأبراج ليوم 17 كانون الثاني

الحمل   أنت تسعد لسعادة من تحب مما يمنحك السعادة والإشراق والفرح و اليوم جيد للعائلة فاستمتع به فقد يأتي الفرج من أقرب الناس لك أو يفتح لك باباً للسعادة لم تكن تتوقعه أو تنتظره   الثور   احسب…

2019-01-17 -

حظوظ الأبراج ليوم 18 كانون الثاني

الحمل    أنت في الفترة  الأفضل لتمتين علاقاتك بأصدقائك وبزوجتك وبأهلك فأنت متعاطف وسعيد وقد تفكر بسفر وتتواصل مع المحيط فأنت مرح وحيوي وتجيد الإصغاء لمن حولك وهذه الفترة تحمل لك الخير الثور    أتمنى أن…