أمريكا هناك خلف المحيط البعيد.. والعالم يتغيّر..!!

رأي البلد

2018-08-31 -
المصدر : محطة أخبار سورية

 

تتطور العلاقات الدولية بشكل غريب، وتسير نحو تبدلات واسعة ستقلب موازين القوة وتموضعها في العالم، وستحدث فرقاً هائلاً في المستقبل. التحديات العالمية والمشاكل التي تقف في طريق الدول لممارسة وظائفها، تفرض عليها إعادة النظر(rethinking) من جديد بالسلوكيات التي كانت تتبعها والتي عليها اتباعها في المستقبل؛ لم يعد للخصومات التاريخية بين الدول الكثير من الاعتبار، ولا للشراكات التاريخية الماضية القيمة الكبيرة؛ تحديات اليوم التي تبدأ بالفقر والأمراض والمناخ والبيئة، وتمرّ بالإرهاب العالمي وصولاً إلى خطر السلاح النووي... الخ، تجعل من الصعب على كل دولة مواجهة مثل هذه التحديات (challenges) بمفردها؛

التهديدات العصرية، متشعبة وكبيرة وخطيرة، والدول ـ الكبيرة منها قبل الصغيرة ـ  مهما امتلكت من قدرات وإمكانات، لا يمكن لهذه القدرات أن تواجه مثل هذه التهديدات بشكل منعزل؛ ولنأخذ مثالاً حوادث الإرهاب التي ضربت القارة الأوروبية في العام الماضي، وما تزال الجماعات الإرهابية تهدد بتكرارها.

أمر آخر مهم، يجعل من العالم وكأنه كتلة واحدة تقريباً، هو العلاقات الاقتصادية واعتماد اقتصادات البلدان على بعضها وترابطها بشكل يجعل أي خلل في أحدها، ينعكس تلقائياً على الاقتصادات الأخرى؛ مثلاً، العقوبات الأمريكية ونتائج انهيار الليرة التركية على الاقتصاد الأوروبي وغيره. ومع ذلك ما زال العالم يتشظّى (fragments) بشكل كبير..!!

لكن المشكلة الحقيقية أنّ الكثيرين من قادة العالم ما زالوا يواجهون التحديات الكونية (Global) الجديدة بعقلية الماضي وتجربة الحرب الباردة وغيرها من التجارب والصداقات والعداوات، ويحكمون على الأشياء برواسب الماضي وخلاصاته التي لا تصلح للحاضر ولا للمستقبل المعقّد "المنفلش" من القيم التقليدية. ولذلك، فإننا سنشهد من الآن وفي العقود المقبلة، صعود دول جديدة تتسيّد على المسرح الدولي وتراجع دول أخرى وانكماشها.

وفي هذا السياق، تبرز تجربتان جديدتان متناقضتان في بلدين مهمين وكبيرين، لهما وزنهما ودورهما القيادي على الساحة الدولية؛ الولايات المتحدة وروسيا، وتجربة الصين بخصوصيتها المعهودة.

أولاً، الولايات المتحدة؛ لقد تمتعت الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات التي تلت سقوط الاتحاد السوفييتي بفائض من القوة، جعلها القوة الوحيدة على المسرح الدولي بدون منازع؛ لسنوات كانت الولايات المتحدة تمارس الأحادية القطبية ودور الشرطي العالمي كما يحلو لها؛ غرور القوة منع الولايات المتحدة من التفكير الإيجابي والتعاطي مع الدول الأخرى بمنطق الاحترام والتعاون الدولي لمعالجة المشاكل الدولية؛ كانت السمة البارزة لحقبة الأحادية القطبية هي قيام واشنطن بشنّ الحروب وفرض الإرادة الأمريكية على الجميع. وما تزال عقلية الهيمنة الأمريكية (hegemonic) مستمرة بأشكال مختلفة عبر ممارسة الضغوطات والعقوبات وشنّ الحروب على الدول الأخرى؛ ضد كوريا الديمقراطية والصين وروسيا وإيران وتركيا وسورية وفنزويلا وكوبا، وحتى دول أوروبا الشركاء في حلف الأطلسي (الناتو)... الخ. ماذا كانت النتيجة؟! تأليب العالم على الولايات المتحدة والفوز بالمزيد من الأعداء وخلق المزيد من العداوات، وزيادة الصعوبات الاقتصادية والتجارية، ونصب المزيد من الحواجز والخلافات بين الدول، وتوتير العلاقات الدولية وبالتالي جعل العالم أقل أمناً واستقراراً، وتهديد السلم العالمي.

ثانياً، الاتحاد الروسي؛ في فترة الزهو الأمريكية، كانت روسيا تعيد ـ بهدوء ـ بناء نفسها من جديد وعلى كل الأصعدة، في البنية التحتية والاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية. نهضت روسيا بعد تعب وتخلصت من مشاكل الاتحاد السوفيتي، وانطلقت برؤية جديدة مختلفة كلياً؛ الانفتاح على العالم والتخفيف من الخلافات مع الدول الأخرى قدر المستطاع والبناء على نقاط التوافق القائمة ومحاولة تعزيزها؛ ماذا كانت النتيجة؟! أنّ روسيا أصبحت في السنوات الأخيرة محجاً للعديد من قادة الدول، وبعضُ هؤلاء ممن كانوا يصنفون في خانة الأعداء.

روسيا تبني علاقاتها على قاعدة المصالح المشتركة والتعاون وتبادل المنفعة؛ أيُ دولة أو زعيم في العالم تهمه مصالح شعبه ويحرص عليها، يستطيع أن يرفض يداً ممدودة إليه لتساعده؟! ومن خلال هذه السياسة المعاكسة لنظيرتها الأمريكية استطاعت روسيا أن تقرّب تركيا بعد عداوة، واستطاعت خلق روابط مع النظام السعودي المملوك أمريكياً، ودخلت إلى دول الخليج، قطر والإمارات العربية المتحدة. لكن الأهم، ربما، هو اللعب في الحديقة الخلفية لأوروبا: خطوط التعاون الاقتصادي والتبادل التجاري المفتوحة مع ألمانيا "الأطلسية" تتحوّل لتكون أقوى من تلك التي تربط بين ألمانيا والشريك الأمريكي. وعلى نفس المنوال تسير فرنسا وآخرون نحو موسكو؛ وفي الأفق يبدو أنّ تحالفاً "غير معلنٍ" يتبلور بين روسيا وتركيا وألمانيا، أساسه المصالح المشتركة ومواجهة العقوبات الأمريكية؛ وهو إنْ تم، سيعتبر تحولاً هائلاً في توزع القوة والتوازن الدولي والعلاقات الدولية؛ روسيا ومعها الصين تنقلان مركز القوة إلى المدار الأوراسي، بعيداً عن "قارة كولومبوس" الأنانية العدوانية البعيدة وغير المتوازنة. ولا تستطيع أوروبا إلا أن تتبع مصالحها وتتجه شرقاً وهو ما يفعله القادة البرغماتيون في أوروبا، قبل السقوط المريع واتساع الصدع بين ضفتي الأطلسي بشكل أكبر وأخطر.

 ثالثاً، الخصوصية الصينية؛ الصين أمة متكاملة بتاريخ وحضارة وتجربة غنية. الصين تتقدم بخطى واثقة نحو صدارة القوى العظمى، لاسيما من الناحية الاقتصادية؛ الصين تتمدد في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا، والمساعدات والمشاريع الصينية تغطي عشرات الدول، ولاسيما في أوروبا، والقواعد الصينية بدأت بالانتشار والتزايد، في جنوب أسيا وشرق إفريقيا غيرها. وكما تفعل روسيا، تتقدم الصين على قاعدة علاقات التعاون والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة (mutual interests).

ولقد أدركت الولايات المتحدة الخطورة الصينية فبدأت الحرب التجارية عليها. هل أتى الرد الأمريكي متأخراً؟! ربما، فالخسائر الأمريكية من العقوبات التي تفرضها واشنطن على بكين توازي الخسائر الصينية، وربما تزيد. ولكن كما في العلاقات بين الأشخاص، فالعلاقات بين الدول تتوثق بالتعاون والاحترام وليس بالتهديدات والحروب والاعتداءات.

ليس كلّ العالم يسير على رأسه كما يخيّل للبعض؛ في عالم اليوم قادة كبار يقرأون التغيرات، وأبعاد الثورة التكنولوجية، وتراجع تأثير الحدود، وتوفر المعلومات الهائلة لمن يريد؛ قادة يسبقون الزمن وينهضون بدولهم نحو المستقبل البعيد المزدهر. القواعد المثلى التي يطبقونها تقول بالاعتماد على الذات وتعزيز القدرات الذاتية إلى أقصى الحدود الممكنة؛ الحفاظ على الأصدقاء الحقيقيين وخلق المزيد منهم؛ التقليل من الأعداء قدر المستطاع؛ تحقيق المصالح المشتركة والتعاون مع الآخرين بما يزيد من تعزيز الروابط والأمن والاستقرار والسلام؛ الأحاديث عن التعاون بين المستشارة الألمانية والرئيس الروسي تغطي على موقع ألمانيا في حلف "الناتو" ومع الولايات المتحدة.. فيما يتراجع دور ومكانة المملكة المتحدة لتصبح تابعاً صغيراً يدور في الفلك الأمريكي المهتز.

ربما لم تنتبه أوروبا إلى أنّ توسع الاتحاد الأوروبي كان خطأ قاتلاً وعبئاً سيقود إلى الانهيار، لاسيما في عهد "أمريكا أولاً" الذي اضطرّ الأوروبيين للبحث عن أمنهم الخاص واستقلالهم القسري عن الولايات المتحدة التي أظهرت أنّ القارة العجوز.. عاجزة أيضاً.. !!

بديع عفيف
عدد الزيارات
1054
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 20 أيلول..سومر حاتم ..كل عام وأنت بخير

مسيطر على من حوله لا يؤمن بالشجار وجهاً لوجه بل يفضل الصمت والانسحاب والاكتفاء بغضب صامت حتى تتاح له فرصة انتقام ويصبح هكذا أكثر حين…
2018-09-19 -

معــد عيسى يكتب ...انتشروا

معد عيسى يتقدم موضوع إعادة الإعمار على غيره من المواضيع عند الدولة السورية وهو ما تتطلع إليه كذلك كل الدول المشاركة في الحرب على سورية،…
2018-09-19 -

تقرير الـsns: رفض «جهادي» لـ«اتفاق إدلب».. وسائل إعلام إسرائيلية عن تحطم "إيل - 20": يجب أن نتحمل المسؤولية علناً عما…

أرسل الرئيس بشار الأسد، برقية تعزية إلى الرئيس بوتين، معزياً بالعسكريين الروس الذين كانوا على متن الطائرة العسكرية. وأوضحت البرقية أن «هذه الحادثة المؤسفة هي…
2018-09-20 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 21 أيلول

الحملتطورات اجتماعية أو فنية وستكون ذات فائدة لتكون سعيداً ولتحسن صورتك فشعبيتك تزداد وهذا يدخل البهجة إلى حياتك وقد تنشغل بجديد يمنحك الرضا الثورفسر مشاعرك لا تقلل من ثقتك بنفسك ولا تسمح للآخرين أن يقللوا ثقتك بنفسك بسبب أقوال من أناس لا تفهم في عملك فأنجز أعمالك بدقة وأصلح الخطأ…
2018-09-21 -

حركة الكواكب يوم 21 أيلول

المشتريكوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية يسكن هذا العام في العقرب وفي الشهر الأخير من العام يتحرك باتجاه القوس و حركته عام واحدو هو كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات عطاردكوكب المستندات والأوراق والسفر…
2018-09-21 -
2018-09-19 -

ثمان وأربعون ساعة على انطلاق صافرة البداية للدوري الممتاز لكرة القدم

تنطلق يوم الجمعة القادم على أرض ملاعبنا الخضراء صافرة البداية للدوري الممتاز بكرة القدم للموسم الكروي الجديد بإقامة سبع مباريات في دمشق وحلب وحمص وحماة… !

2018-09-21 -

تقرير الـsns: موسكو: الطيارون الإسرائيليون تصرفوا بطريقة غير مهنية على الأقل.. عمليات إسرائيل في سورية غير مسؤولة وغير ودّية.. واتفاق إدلب يعود إلى الأضواء..!!

أعلن المتحدث الرسمي باسم الكرملين أن الرئيس بوتين لا ينوي استقبال قائد سلاح الجو الإسرائيلي عميكام نوركين الذي وصل موسكو على رأس وفد عسكري. وذكر… !

2018-09-20 -

قصة حزينة تحملها كلمات أغنية “ضلي اضحكي” لملحم زين

بعد أن كشف الفنان ملحم زين في وقت سابق أن أغنية “ضلي اضحكي”، تحاكي قصة حقيقية مرّ بها الشاعر فادي مرجان، حيث كتب كلماتها لشقيقته… !

2018-09-20 -

حريق في ريف حماة يتسبب بإتلاف أكثر من 300 شجرة زيتون

أخمد عناصر فوج اطفاء مصياف في محافظة حماة حريقا اندلع اليوم في الأراضي الزراعية لبلدة عين حلاقيم. وأشار عماد كوسا رئيس مجلس بلدة عين حلاقيم… !

2018-09-20 -

تمديد فترة التقدم للمفاضلات والمقابلات والاختبارات والتسجيل المباشر في السنة التحضيرية للكليات الطبية حتى نهاية الدوام الرسمي اليوم

مددت وزارة التعليم العالي فترة التقدم إلى جميع أنواع المفاضلات والمقابلات والاختبارات إضافة إلى التسجيل المباشر في السنة التحضيرية للكليات الطبية حتى نهاية الدوام الرسمي… !

2018-09-20 -

Huawei تطلق هواتف متفوقة

أعلنت Huawei عن نيتها إطلاق هاتفين جديدين بمواصفات ستجعل منهما من أفضل الهواتف في الأسواق. وتنوي الشركة تزويد هاتفي "Mate 20" و"Mate 20 Pro" بكاميرا… !

2018-09-05 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوماً يقضي بالإعفاء من الحصول على موافقة سفر للمعفين من خدمة العلم

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 14 لعام 2018 القاضي بإضافة الفقرة ( ز ) إلى المادة 48 من قانون خدمة العلم الصادر… !

2018-09-21 -

العراق: كتلة العامري تنعى تحالف العبادي..!!

اعتبر نائب من كتلة «البناء» (بقيادة هادي العامري) أن تحالف «النصر» بزعامة رئيس الوزراء حيدر العبادي «تلاشى ولم يعد هناك شيء يحمل هذا الاسم». وتصاعدت… !

2018-09-03 -

انطلاق أعمال اجتماع اللجنة التنفيذية لرابطة وكالات الأنباء في آسيا والمحيط الهادئ في طهران بمشاركة سانا

بدأت في العاصمة الإيرانية طهران اليوم أعمال اجتماع اللجنة التنفيذية لرابطة وكالات الأنباء في آسيا والمحيط الهادئ “أوانا” في نسخته الثالثة والأربعين بمشاركة الوكالة العربية… !

2018-09-19 -

حظوظ الأبراج ليوم 20 أيلول

الحمل  أنت تستقبل ضيوف من خارج بلدك أو تفكر بسفر مجدي لأمورك المهنية أو المالية فأنت في قلب التجمعات المرحة وربما تعد لأفراح قد تؤثر على حياتك الأسرية والعائلية الثور   قد تستفزك تصرفات صغيرة تشعر أنك لا…

2018-09-21 -

حظوظ الأبراج ليوم 21 أيلول

الحمل  تطورات اجتماعية أو فنية وستكون ذات فائدة لتكون سعيداً ولتحسن صورتك فشعبيتك تزداد وهذا يدخل البهجة إلى حياتك وقد تنشغل بجديد يمنحك الرضا الثور   فسر مشاعرك لا تقلل من ثقتك بنفسك ولا تسمح للآخرين أن يقللوا…