الاتحاد الأوروبي سيدفع ثمنا باهظا لإهانة ماكرون في واشنطن

مقالات مختارة

2018-04-26 -
المصدر : روسيا اليوم

المحلل السياسي ألكسندر نازاروف

انتهى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من زيارة الدولة التي قام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأعتقد أنه قد آن الأوان كي نتوقف عن الضحك ونحلّل نتائج الزيارة.

أعتقد أن النتيجة الأهم، وربما الوحيدة، للزيارة هي إذلال فرنسا، وماكرون شخصيا، حينما داعبه ترامب أمام الكاميرات، وأزاح قشرة الشعر من على كتفه، معلّقا بالتوازي شيئا من قبيل: "والآن أصبحت صبيا مهندما، فلتأكل جيدا يا صغيري، وأطع والدتك حتى تكبر وتصبح قويا". فيما عدا ذلك لم تتحقق أي من النتائج المنتظرة، ولم يكتف ماكرون بعدم التعبير عن الموقف الأوروبي المستقل بشأن الاتفاق النووي الإيراني، بل اتفق مع رأي ترامب بالكامل، ليسقط بذلك أي دور سياسي فرنسي مستقل إلى قاع الهاوية سقوطا مدويا، عقب تصريحات الرئيس الفرنسي.

إن السبب في ذلك هو أن فرنسا أرادت أن تلعب الدور الذي تلعبه بريطانيا، لكن ذلك المكان محجوز لبريطانيا، وفي ظروف التحديات من جانب روسيا، والصين بالدرجة الثانية في ظل عالم أحادي القطب فإن على أوروبا أن تتوحد، بينما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية من خلال قبضتها الحديدية الي شحذ همة المقاومة في معسكرها، من خلال ليّ أذرع "الحلفاء" الذين يتعيّن عليهم الانصياع لها في كل شيء، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالحهم القومية، كما يحدث ذلك في العقوبات على روسيا، التي تعاني من سلبياتها أوروبا وليس الولايات المتحدة الأمريكية.

إن ما يحدث هو استقطاب للمواقف، وتحطيم أي إمكانية للحفاظ على الحياد، وفي هذه الظروف لا تستطيع فرنسا اتخاذ موقف مستقل في أي من القضايا الهامة على صعيد السياسة الدولية، ما يعني أنها بالنسبة للعالم لم تعد تختلف عن أي دولة صغيرة مثل مقدونيا أو إستونيا، في حين أن فرنسا كانت في يوم من الأيام دولة عظمى، ولا زالت حتى يومنا هذا تحاول بشتى الطرق أن تبدو كذلك.

في هذه الظروف أيضا، وكي يظل تحت الأضواء، لم يعد أمام إيمانويل ماكرون سوى أن يكون أكثر راديكالية من الولايات المتحدة الأمريكية، وأن يتخذ مواقف أكثر أمريكية من أمريكا نفسها، حتى يأمن جانبها. ربما كان ذلك هو السبب في محاولات فرنسا طرح القضية الكردية، لنكز تركيا التي تحاول إظهار قدر أكبر من الاستقلال عن الولايات المتحدة، وهو السبب أيضا في مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على سوريا عقب فبركة الأسلحة الكيميائية الاستفزازية في دوما، وكذلك طلب ماكرون بقاء ترامب في سوريا، ثم أخيرا تصريح ماكرون أثناء الزيارة، بضرورة عقد اتفاق نووي جديد مع إيران، ليشطب بذلك الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بصعوبة بالغة، ويخيّب آمال العالم الذي كان ينتظر من ماكرون عكس هذا الموقف تماما.

تكمن مشكلة ماكرون في أن المبالغة في الموالاة لأمريكا: "أمريكا X 2" أو حتى "أمريكا X 3" هو دور تمارسه بريطانيا منذ وقت طويل، ويجب على ماكرون لكي يتفوق عليها أن يأتي بأمر غير اعتيادي، كأن يعلن الحرب على روسيا مثلا، بعد أن مهّدت بريطانيا الغرب لذلك، ووضعته على حافة تلك الحرب. لكن ماكرون لن يتمكن من ذلك بطبيعة الحال، لذا فعليه أن يقف في طابور الدول الساعية لتقبيل حذاء ترامب بعد أوكرانيا، وأوروبا الشرقية وغيرهم من "الحلفاء"، كي يكافئه ترامب بأن يزيح قشرة الشعر من على كتفه، ويثني على سلوكه.

لكن من الممكن أن يكون للزيارة تداعيات أخرى جادة على المدى البعيد، فبريطانيا كانت عميلا للولايات المتحدة الأمريكية في الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من أن بولندا ودول البلطيق وغيرها من الدول التابعة يخدمون السيد الأمريكي بإخلاص، إلا أن أحدا منهم لا يمتلك الثقل السياسي الكافي. فبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت ألمانيا تشغل الدور المهيمن عليه، وألمانيا مرتبطة بروسيا اقتصاديا ومهتمة بالتعاون مع روسيا، وليست "مناهضة لروسيا" بالشكل الكافي. لقد كان أحد الأهداف الرئيسية للأنغلوساكسون في أوروبا الحول دون تقارب ألمانيا مع روسيا. لكن الاستفزاز المستمر والحشد ضد روسيا هو أمر محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي إلى الحرب، لذلك فالولايات المتحدة الأمريكية تحتاج إلى آلية يومية للسيطرة على أوروبا. وهنا تبرز الفائدة الوحيدة لماكرون بالنسبة لترامب، أن يكون عميلا للتأثير الأمريكي على الاتحاد الأوروبي. كان ماكرون أثناء الزيارة يتطلع إلى عيني ترامب بإخلاص شديد، بدا معه ذلك السيناريو أكثر من محتمل.

في النهاية فلكل شيء ثمنه، ويبدو أن الأمر الوحيد الذي تتوحد عليه أوروبا الآن هو غياب الفعل تماما، فأي فعل واقعي أو ضرورة لاتخاذ موقف سياسي واضح تجاه أي من القضايا التي تعجّ بها السياسة الدولية في عالمنا المضطرب سوف يؤدي إلى انفراط عقد الاتحاد الأوروبي، الذي اختلقت نشأته اختلاقا، وترعرع فقط في ظل الظروف الدافئة لتسعينات القرن الماضي... حتى أن تلك الهيستيريا المناهضة لروسيا، والحشد الواضح من الغرب ضدها أصبح أحد الأمور التي تختلف عليها أوروبا بدلا من أن يوحدها، لذلك تصبح محاولات فرنسا للعودة إلى أمجاد الماضي في ظل هذه الظروف سببا إضافيا في تحطيم الاتحاد الأوروبي الذي يمر أصلا بمرحلة انهيار بطيء.

-
عدد الزيارات
225
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

أخبار وتقارير اسرائيلية: قائد سلاح الجو الاسرائيلي: اسرائيل استخدمت طائرة "اف 35" لقصف اهداف في سورية.. تعاون الجيش السوري واللبناني…

القناة الثانية:قائد سلاح الجو الاسرائيلي: اسرائيل استخدمت طائرة "اف 35" لقصف اهداف في سورية كشف قائد سلاح الجو الاسرائيلي، عمكيم نوركين، أن اسرائيل استخدمت لأول…
2018-05-23 -

صفات مولود 23 أيار - محمد رمضان ...كل عام وأنت بخير

صاحب حركة دائمة إنما عنده وسواس الفشل الذي يوقظ عنده رغبة النقاش والجدال . يناقش ، يجادل ، يقارع ويحاول الإقناع بشتى الوسائل ، لا…
2018-05-22 -

إقبال لافت على جناح سورية في معرض الربيع التجاري في بيونغ يانغ

لقي الجناح السوري المشارك في معرض الربيع التجاري الحادي والعشرين الذي انطلقت فعالياته أمس في العاصمة الكورية الديمقراطية بيونغ يانغ إقبالا لافتا من المواطنين الكوريين…
2018-05-22 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 24 أيار

الحمل تأجيل وعرقلة وخاصة في مال من الغرباء أوفي سفر أو مع أشخاص لا تعرفهم فاليوم للإرباكات الحتمية وغالباً في صراعات عائلية زوجية أو مع شركاء الثور عمل كثير وقد يحمل تغيرات في مجالات العمل أو ينتابك الشعور لأكثر من مرة بأنك تريد الانتهاء من المشاغل والمسؤوليات وأنك تريد أن…
2018-05-23 -

حركة الكواكب يوم 24 أيار

المشتري كوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية يسكن هذا العام في العقرب وفي الشهر الأخير من العام يتحرك باتجاه القوس و حركته عام واحد و هو كوكب الحظوظ السعيدة يتراجع في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات عطارد كوكب المستندات…
2018-05-23 -
2018-05-19 -

حميد ميدو: تجربة احترافية جديدة قريباً.. والتركيز الأكبر على نهائيات آسيا لكرة القدم

حميد ميدو لاعب خط وسط منتخبنا الوطني لكرة القدم تتسابق إليه الأندية للتعاقد معه كونه يعد من أفضل لاعبي خط الوسط والارتكاز في القارة الآسيوية… !

2018-05-24 -

تقرير الـsns: الرئيس الأسد يلتقي مبعوث بوتين في دمشق.. ما بعد القدس: إسرائيل تريد من واشنطن الاعتراف بسيادتها على الجولان السوري المحتل..

كشف وزير الاستخبارات الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الحكومة الإسرائيلية تدفع بإدارة ترامب نحو الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة. وأشار كاتس في تصريح… !

2018-05-22 -

تجاهل المصورين لـ”إليسا” في “كان” يثير الجدل

انتشر مقطع فيديو للفنانة إليسا خلال وجودها في مهرجان “كان”، أظهر تجاهل المصورين لها، خلال وجودها على السجادة الحمراء بصحبة كلودين زوجة المصمم العالمي إيلي… !

2018-05-24 -

الأرصاد: الحرارة إلى انخفاض وفرصة ضعيفة لهطل زخات متفرقة من المطر

تميل درجات الحرارة للانخفاض قليلا مع بقائها أعلى من معدلاتها بنحو 2 إلى 4 درجات مئوية مع تأثر البلاد بامتداد منخفض جوي سطحي يترافقبتيارات شمالية… !

2018-05-12 -

سورية تشارك في أولمبياد آسيا والمحيط الهادي للمعلوماتية

بمشاركة سورية أجريت اليوم منافسات أولمبياد آسيا والمحيط الهادي للمعلوماتية الذي تنظمه جمهورية روسيا الاتحادية عبر الانترنت بمشاركة أكثر من خمسين دولة. ويضم الفريق السوري… !

2018-05-24 -

سامسونغ تطرح نسخة رخيصة من "Galaxy S8"

استعرضت سامسونغ مؤخرا هاتف "S Light Luxury" الذي يعتبر نسخة مبسّطة من هواتف "Galaxy S8" المميزة. وزودت الشركة الهاتف الجديد بشاشة بمقاس 5.8 بوصة وأبعاد… !

2018-05-08 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما بتسمية محمد جهاد اللحام رئيسا للمحكمة الدستورية العليا وتسمية أعضائها

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 165 لعام 2018 القاضي بتسمية محمد جهاد اللحام رئيسا للمحكمة الدستورية العليا وتسمية أعضائها. وفيما يلي نص… !

2018-05-24 -

ميركل: بعض الشركات الأوروبية قد تغادر إيران بسبب العقوبات

رجحت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، أن تضطر بعض الشركات الأوروبية إلى الانسحاب من إيران بسبب العقوبات الأمريكية. وقالت ميركل في مؤتمر صحفي مشترك بعد محادثات… !

2018-05-16 -

سيمونيان ترد على صحفي أمريكي يحرض على قصف جسر القرم

تطرقت رئيسة تحرير شبكة قنوات RT التلفزيونية، مارغريتا سيمونيان، إلى مقالة نشرتها مجلة "The Washington Examiner" الأمريكية، تتضمن دعوات لقصف جسر القرم الجديد. وكتبت سيمونيان… !

2018-05-22 -

حظوظ الأبراج ليوم 23 أيار

الحمل    المشكلة اليوم ستكمن في عدم رضاك عما يحيط بك أو إحساسك الدائم أنك تعمل كثيراً دون أن يقدر عملك وإنجازك وكأنك لا تنال حقك فلا تحمل نفسك مسؤوليات إضافية الثور  تتصرف بهدوء تعالج مشاكلك…

2018-05-23 -

حظوظ الأبراج ليوم 24 أيار

الحمل    تأجيل وعرقلة وخاصة في مال من الغرباء أوفي سفر أو مع أشخاص لا تعرفهم فاليوم للإرباكات الحتمية وغالباً في صراعات عائلية زوجية أو مع شركاء الثور  عمل كثير وقد يحمل تغيرات في مجالات العمل…