بأي ثمن تبيع روسيا بوتين سورية الأسد؟

مقالات مختارة

2018-04-24 -
المصدر : روسيا اليوم

المحلل السياسي ألكساندر نازاروف

أحيانا ما يصادف المرء في الصحافة العربية، وخاصة صحافة الخليج مناقشات حول السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط

وتدور تلك المناقشات من باب أن موسكو تساوم، بغرض رفع سعر موقفها السياسي، حتى تبادله في وقت لاحق بأموال أو مصالح مادية أخرى.

لدينا مثل شائع في روسيا: "كلٌ يحكم على الآخرين بما يمليه عليه أصله"، لذلك فمن الصعب لمن تعوّد المساومة على مواقفه وشراء أوضاعه السياسية أن يتخيل وجود دوافع أخرى للمواقف السياسية، من هنا تأتي أهمية تحليل دوافع روسيا في سياستها الخارجية.

لو كان حل جميع قضايا السياسة الخارجية ممكنا بواسطة الأموال وحدها لهان الأمر، إلا أن تاريخ روسيا على مدار ألف عام مضت، مع الأسف، يملأه صراع مع أعداء لم تكفهم الأموال وحدها، بل أرادوا ويريدون كل شيء، فروسيا لم تحارب يوما من أجل الثروة، بل حاربت من أجل حقها في البقاء، وصارعت من أجل الوجود. لذلك كانت نشأة الإمبراطورية الروسية مبنية على صدّ روسيا للعدوان الأجنبي، وليس على احتلال الأراضي والسطو على المستعمرات كما كانت تفعل الإمبراطوريات الأوروبية، حيث كانت روسيا تضمّ إلى امبراطوريتها أراضي الأعداء الذين انتصرت عليهم، ممن بادروها العداء وحاولوا تدميرها من المغول والتتر والبولنديين والأتراك والسويديين والفرنسيين والألمان. أمّا الأعداء الذين حاولوا القضاء على روسيا، فقد كانوا من الكثرة بحيث أصبحت روسيا أكبر دولة في العالم، كما كان إنشاء المعسكر السوفيتي في أوروبا رد فعل لعدوان هتلر على الاتحاد السوفيتي. أما دعم البلدان العربية في صراعها من أجل الاستقلال، فقد كان مبنيا على الأيديولوجية السوفيتية، وعلى الحفاظ على الأمن القومي والبحث عن حلفاء.

لقد كانت روسيا دائما على استعداد لتقديم أي تضحيات من أجل صدّ العدوان ودرء المخاطر، لذلك كانت الكلمة السحرية التي كانت ولازالت على رأس الأولويات إبان عصر الإمبراطورية الروسية، والاتحاد السوفيتي، واليوم في روسيا وسوريا هي "الأمن". فروسيا دائما ما تحارب دفاعا عن أمنها القومي، وليس من أجل المال أو الثروات، لم يتغير شيء منذ قديم الأزل وحتى اليوم.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد صنعت القاعدة وأسامة بن لادن في أفغانستان من أجل مواجهة الاتحاد السوفيتي هناك، ثم عادت فصنعت الدولة الإسلامية في سوريا من أجل التخلص من الأسد. ونسّقت الولايات المتحدة الأمريكية انقلابا فاشيا في أوكرانيا، وبدأت هناك حربا أهلية وخلقت تهديدا وجوديا لروسيا. والآن تطفو على السطح أزمة "روسيا غيت" Russia-gate في بريطانيا، باختلاق أزمة حول تسميم العميل المزدوج، وهناك الاستفزاز الخاص بما يسمى الأسلحة الكيميائية في سوريا، والحصار على روسيا الذي يضيق يوما بعد يوم، ليصبح من الواضح تصاعد وتيرة الهجوم الغربي على روسيا، وتجد روسيا نفسها من جديد مضطرة للدفاع عن وجودها.

تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من أضخم أزمة اقتصادية في تاريخها وتاريخ العالم، وتتحرك بسرعة نحو انهيار هرمها الائتماني وعملتها الدولار، ما يهدد بانهيار الولايات المتحدة جراء تلك الأزمة، كما انهار الاتحاد السوفيتي في أعقاب أزمته الاقتصادية. وبينما لازالت أمريكا تتربع على عرش قوتها العسكرية والاقتصادية فلا يوجد لديها سوى هدفين رئيسيين: تدمير عدويها المنافسين المباشرين روسيا والصين، وكذلك الدفع بالكوكب نحو الفوضى الشاملة، حتى لا يجني أحد أي مكاسب من انهيار الولايات المتحدة، ولكي توفر لنفسها ظروفا جيدة لمرحلة ما بعد الفوضى الشاملة، وحتى لا يصبح لأي أحد أفضلية عليها حتى عقب انهيارها، بل على العكس بحيث يصبح الجميع في حال أسوأ من حال الولايات المتحدة الأمريكية. إن يد المخابرات المركزية الأمريكية في نشر الفوضى عبر الشرق الأوسط واضحة للجميع، أما روسيا فهي مهتمة بالعكس تماما، مهتمة باستقرار المنطقة، فنجاح الخلافة الإرهابية يعني أن تصدير عدم الاستقرار يمكن أن يطال روسيا.

إن سوريا ليست سوى ركن صغير من العالم، تواجه فيه روسيا تلك الفوضى وذلك الدمار، لكن ليس لروسيا، مع الأسف، عدد كبير من الحلفاء في حربها ضد الفوضى والدمار، حتى في الشرق الأوسط، الذي كان من المفترض أن يكون به أكثر الأطراف حرصا على استقراره! على العكس، نحن نرى كيف تشعل بعض الدول العربية الأخرى الحرائق على أعتاب جيرانها، دون أن تفكر في إمكانية أن تمتد تلك الحرائق لتطال أوطانها. ربما يظن بعض الزعماء أن بإمكانهم المخاطرة، طالما امتلكوا الثروات والطائرات التي تمكنهم من الهروب من الحريق ساعة الخطر. لكنني لا أظن أن أحدا منهم سيتمكن من الطيران ساعتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية...

من الصعب إقناع أحد بأن روسيا لا تخون حلفاءها التزاما بالمبادئ والقيم النبيلة، حيث أن النبل في حد ذاته، من وجهة نظر المتشككين، قد يحمل قيمة وفائدة. على الجانب الآخر فقد خانت الولايات المتحدة أقرب حلفائها: مبارك والأكراد، فلا يوجد لها حلفاء في الشرق الأوسط سوى إسرائيل، لكن حتى في هذا التحالف فإن أحدا لا يستطيع أن يحدد من الرئيسي ومن الفرعي منهما. إن الولايات المتحدة على استعداد لأن تضحي أو تخون أو تستبدل أيا من "حلفائها"، بينما روسيا التي لم تخذل الأسد في أحلك أوقاته، لا تحصل بذلك على حليف حقيقي فحسب، وإنما تضرب مثالا للعرب على الفرق بين علاقاتها بحلفائها وعلاقات الولايات المتحدة بحلفائها. لعل هذا هو السبب الذي يدفع مأجوري الولايات المتحدة الأمريكية في الصحافة العربية لمحاولة التقليل من هذا الفرق الشاسع بين النوعين من العلاقات.

لكن هناك بالتأكيد رشوة يمكن تقديمها لروسيا من أجل التخلي عن سوريا، ومن أجل أن تخرج روسيا من هناك بكل طائراتها، وألّا تشارك في المعارك مع الإرهابيين؛ هذه الرشوة هي ألّا تتدخل أي دولة أخرى في الشأن السوري، وأن تتخلى الولايات المتحدة عن العدوان الذي تشنه على العالم بأسره، وأن يلتزم الغرب بالمواثيق والأعراف الدولية، وأن تتوقف الاستفزازات والغارات غير المشروعة على الأرض السورية. باختصار، لكي تتوقف موسكو عن دعم الأسد، يتعيّن أن يتوقف الباقون عن دعم من يريدون عزل الأسد. في نهاية المطاف كانت روسيا دائما تحث جميع أطراف الأزمة على الحوار من دون شروط مسبقة، وبلا تدخل خارجي، فالموقف الروسي يتلخص بمراعاة مصالح جميع الأطراف.

وبينما يتحقق ذلك الشرط، فإن ثمن تخلّي روسيا عن دعم التسوية العادلة في سورية يساوي تقريبا ثمن تخلّي روسيا عن أمنها القومي. تلك حقيقة واضحة وضوح الشمس، لكنها أبعد من إمكانيات خيال أولئك الذين يكتبون عن الأموال..

عدد الزيارات
403
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

حركة الكواكب يوم 22 كانون الثاني

المشتريكوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية في القوس و حركته عام واحدمما يحذر مواليد برج الجوزاء عاطفيا و العذراء عائليا و برج الحوت عمليا عطاردكوكب…
2019-01-21 -

ليست سورية وحدها مهددة

لسوء حظ العرب أن الجغرافيا تلعب أحياناً دوراً سلبياً، وأحياناً مدمراً في العلاقات بين الجيران، بدل أن تشكل الجغرافيا عاملاً للانسجام والتعاون. أمامنا نموذجان يعبران…
2019-01-21 -

تسليم أميركي بمعطيات الواقع بالمنطقة

خميس التوبي: باتت الأسباب مفهومة التي دعت الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرارها بسحب قواتها غير الشرعية من الأراضي السورية، بالنظر إلى الأكلاف الباهظة التي ستتحملها…
2019-01-21 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 23 كانون الثاني

الحمل آن وقت إنهاء الأعمال وأفضل ما تفعله هذه الفترة فعلاً هو انخراطك في نشاطاتك العملية فالعمل عبادة وقطعاً انشغالك فيه سيلهيك عن بعض المشاكل النفسية التي قد تعاني منها الثور تحاول أن ترتب وتوضح وتباشر على الأرض خطوات مركزة تسير بأمورك إلى الأفضل وهذا يشحذ همتك ويسلحك بعزيمة…
2019-01-22 -

الوطن العمانية: سورية.. عدوان إسرائيلي بائس

يبدو أن كيان الاحتلال الإسرائيلي قد انفتحت شهيته الإرهابية العدوانية على سوريا، فخلال أربع وعشرين ساعة شن الطيران الحربي الإسرائيلي عدوانين إرهابيين على مواقع سورية من بينها مطار دمشق الدولي. هذا الإرهاب الإسرائيلي الذي يستمد شجاعته من الضوء الأخضر الأميركي للتمادي على المساس بالسيادة السورية، واستهداف مقدرات الدولة السورية وشعبها،…
2019-01-22 -
2019-01-22 -

الفتوة إلى ربع نهائي كأس الجمهورية لكرة القدم بفوزه على الاتحاد

تأهل فريق الفتوة الى الدور ربع النهائي من مسابقة كأس الجمهورية بعد فوزه المستحق على الاتحاد بنتيجة 4-2 ضمن منافسات الدور 16 للمسابقة. ويدين الفتوة… !

2019-01-22 -

الجعفري: استعادة الجولان السوري المحتل حق ثابت لسورية لا يخضع للتفاوض أو التنازل ولا يسقط بالتقادم

أكد مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة الدكتور بشار الجعفري أن استعادة الجولان السوري المحتل حق ثابت لسورية لا يخضع للتفاوض أو التنازل ولا يسقط… !

2019-01-22 -

بعد عامين من انفصاله عن أنجلينا جولي... براد بيت يعيش قصة حب جديدة

كشفت تقارير إعلامية أن النجم العالمي براد بيت يعيش قصة حب جديدة بعد عامين من انفصاله عن زوجته السابقة النجمة أنجلينا جولي. وأفادت صحيفة "ذا… !

2019-01-22 -

أداء وزارة النفط تحت قبة مجلس الشعب.. مطالبات بمعالجة الاختناقات على الغاز المنزلي واتخاذ عقوبات رادعة بحق المخالفين والمحتكرين

ناقش مجلس الشعب خلال جلسته الثالثة من الدورة العادية التاسعة للدور التشريعي الثاني المنعقدة برئاسة حموده صباغ رئيس المجلس أداء وعمل وزارة النفط والثروة المعدنية… !

2019-01-16 -

جامعة دمشق وفروعها تعلن تأجيل امتحاناتها يوم غد إلى موعد يحدد لاحقا بسبب الأحوال الجوية السائدة

أعلنت جامعة دمشق وفروعها في درعا والسويداء والقنيطرة عن تأجيل امتحانات يوم غد الخميس /17/1/2019/ إلى موعد يحدد لاحقا بسبب الأحوال الجوية السائدة. وأوضح رئيس… !

2019-01-22 -

"واتس آب" تتخذ تدابير إضافية للحد من الشائعات

أعلن مسؤولون في خدمة "واتس آب" للمراسلة أنهم أدخلوا تعديلات على الخدمة، من شأنها التقليل من انتشار الشائعات والأخبار الزائفة. وخصّت التعديلات ميزة إعادة إرسال… !

2018-12-26 -

الرئيس الأسد يصدر قانوناً بإعفاء القروض الممنوحة للمتعاملين مع المصرف الزراعي التعاوني من الفوائد العقدية وفوائد وغرامات التأخير المترتبة عليها

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم القانون رقم (46) لعام 2018 القاضي بإعفاء القروض الممنوحة للمتعاملين مع المصرف الزراعي التعاونيمن كل الفوائد العقدية وفوائد وغرامات… !

2019-01-22 -

بومبيو: ليس محكوما على علاقاتنا مع روسيا بأن تنساق إلى حرب باردة

أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن علاقات الولايات المتحدة مع روسيا ليس محكوما عليها بأن تنساق إلى المجابهة والحرب الباردة، لكن واشنطن تنتظر من… !

2019-01-11 -

وزارة الإعلام تكرم رواد الدراما الإذاعية

كرمت وزارة الإعلام مساء أمسرواد الدراما الإذاعية السورية ممن كانت لهم بصمة في تاريخ الدراما الإذاعية وفي ذاكرة السوريين عبر أعمال إذاعية تناولت قضايا اجتماعية… !

2019-01-21 -

حظوظ الأبراج ليوم 22 كانون الثاني

الحمل  تخطى الحواجز بكلماتك اللطيفة وادخل غرفة العناية الفائقة لتحافظ على علاقاتك فاليوم للمصالحات فصوتك مسموع وكلمتك مؤثرة ونقاشاتك هادئة ومقنعة لمن حولك   الثور   تشعر اليوم أنك كل ما اقتربت من الآخرين خطوة تبتعد خطوتين لذلك أنصحك…

2019-01-22 -

حظوظ الأبراج ليوم 23 كانون الثاني

الحمل    آن وقت إنهاء الأعمال وأفضل ما تفعله هذه الفترة فعلاً هو انخراطك في نشاطاتك العملية فالعمل عبادة وقطعاً انشغالك فيه سيلهيك عن بعض المشاكل النفسية التي قد تعاني منها الثور    تحاول أن ترتب…