نظرية المظاهر في القانون..!!

نقاشات قانونية

2018-03-19 -
المصدر : محطة أخبار سورية

هل يمكن للحالة الواقعية المخالفة للقانون الوضعي أن تكون مصدراً للحقوق؟

السؤال المطروح بهذا الشكل يستدعي جواباً بديهياً بالنفي، إذ أن التطبيق المنطقي لقاعدة القانون الوضعي لا يمكن أن يعطي الحالة الواقعية المخالفة للقانون الوضعي أية صفة شرعية. إلا أن التطبيق المنطقي للقانون يمكن أن يصطدم بالواقع بحيث يؤدي في بعض الحالات إلى نتائج تبدو للوهلة الأولى غير منطقية، حيث أوجد الاجتهاد القضائي، وخاصة الفرنسي، نظرية تعالج هذه النتائج هي "نظرية المظاهر"؛   

وهذه نظرية يمكن اعتمادها في سورية نظراً للتشابه بين القانونين السوري والفرنسي، وبالنظر للدور التصحيحي الذي يؤديه القضاء بالنسبة لنتائج التطبيق الآلي لقواعد القانون الوضعي.

والنظرية المذكورة تقوم على الحكمة القديمة القائلة إن الخطأ الشائع يولد الحق؛ أي على فكرة أن المظهر المادي يمكن أن يولد الاعتقاد الخاطئ بوجود الحق، بحيث يمكن تكريس آثار هذا الاعتقاد الخاطئ الذي هو الاعتقاد المبني على مظهر خارجي يعترف به القانون؛ فالقانون يعتبر أن المدين قد سدد دينه حين يؤديه إلى الشخص الذي يحمل سند الدين معتقداً أنه الشخص الذي يملك حق الدين؛ والوكيل الذي يتصرف خارج حدود صلاحياته يمكنه أن يلزم موكله إذا كان الغير يعتقدون أنه يتصرف ضمن حدود وكالته؛ وكذلك تجاوز المدير أو الشريك حدود التفويض المعطى له في عقد تأسيس الشركة مع الغير فلا يعتد بالدفع من قبل الشركاء بهذا التجاوز. واعتراف القانون بهذا المعطى لا يثير أي صعوبة؛ فإذا كان المبدأ هو أن المرء لا يسأل إلا عما التزم هو به، إلا أن القانون ذاته يمكنه النص على الاستثناءات لهذا المبدأ، وهذا ما فعله في الحالات المشار إليها سابقاً.. ولكن الصعوبة تتولد في حال سكوت النص القانوني؛ أي بالتحديد في الحالات التي تعمل فيها نظرية المظاهر.

في ضوء هذه الصعوبة لجأ الاجتهاد في بعض الحالات إلى إعمال "نظرية المسؤولية" للوصول إلى النتائج التي تؤدي إليها نظرية المظاهر، فاعتبر أن حدوث المظهر الخارجي لم يكن ليتم لو لم يهمل صاحب الحق الحقيقي ممارسة امتيازاته، أو لو لم يسهم هو في إيجاد المظهر الخادع؛ فالإهمال وعدم الاحتراز أو إرادة إيقاع الآخرين في الغلط، كل ذلك يشكل عنصر الخطأ الذي يرتب مسؤولية مرتكبه، والتعويض المناسب هو أن تتكرس حقوق الآخرين المبينة على الاعتقاد الخاطئ.

ونلاحظ أن هذا الاجتهاد يُدخل عنصراً جديداً هو سلوك المالك الحقيقي للحق بحيث يتحول المظهر الخارجي إلى وسيلة لإثبات خطأ المالك الحقيقي. وهذا الاجتهاد كما هو واضح لا يبني النتيجة التي يتوصل إليها على الحقوق الظاهرية رغم أن هذه النتيجة إنما تكرس هذه الحقوق. وقد توصل في العديد من أحكامه إلى تكريس الآثار القانونية للمظهر حتى في حالة ثبوت انتفاء خطأ المالك الحقيقي للحق. ولقد أقرّ الاجتهاد العمل بآثار عمل الوكيل الظاهري رغم انتفاء خطأ الموكل إذا كان اعتقاد الآخرين بصلاحيات الوكيل اعتقاداً شرعياً. وهو ما دفع البعض إلى القول أن المظهر الخارجي لا يحتاج إذاً إلى قيام المسؤولية المدنية لكي يحدث آثاره؛ فسلوك صاحب الحق الحقيقي لا يشكل العنصر الأساسي، إذ أن هذا العنصر يكمن في الاعتقاد الخاطئ نفسه، ونظرية المظاهر يمكن إعمالها دون أي تدخل من نظرية المسؤولية المدنية.

وبالاستناد إلى ذلك يمكننا التعرف على الأساس الذي تقوم عليه هذه النظرية الاجتهادية، خاصة وأننا نعلم أن القاضي ملزم بتطبيق القانون من خلال الوقوف على قرار محكمة التمييز الفرنسية المؤرخ في 3/4/ 1963، والذي يشير إلى أن الآخرين ذوي النية الحسنة الذين يتصرفون وفقاً للخطأ الشائع لا يستمدون حقهم لا من المالك الظاهري ولا من المالك الحقيقي، بل إن حقهم يقوم على القانون. وواضحٌ أن القانون الذي تشير إليه محكمة التمييز الفرنسية هو النظام القانوني برمته؛ فهذا النظام وفقاً لرأي محكمة التمييز يتضمن مبدأ عاماً غير مكتوب يعطي الاعتقاد الخاطئ للآخرين ذوي النية الحسنة آثاراً قانونية؛ فحيث إرادة صاحب الحق الحقيقي لم تلتزم بنقل الحق، وحيث إرادة صاحب الحق الظاهري لا تستطيع نقل الحق؛ ينتقل الحق أو يولد على أساس الاعتقاد الخاطئ للأشخاص الذين وثقوا بالمظهر الخارجي.

في الواقع إن هذا المبدأ يستجيب إلى الحاجة لحماية العلاقات القانونية، إلا أن هذه الحماية تتوجه نحو العلاقات المتحركة وليس نحو العلاقات القانونية الجامدة، لذلك فإنه ليس من المستغرب أن يجري إعمال هذا المبدأ بصورة كبيرة في مجال النشاطات التجارية حيث الحاجة إلى الركون إلى المظاهر وإلى الثقة بها وبنتائجها القانونية حاجة ماسة. إلا أن تطبيق هذا المبدأ لا يجوز أن يؤدي إلى تعطيل النصوص القانونية تعطيلاً عشوائياً أو إباحة عدم الحذر، وبالتالي فإن الخطأ المتولد عن المظهر يجب أن يتميز بعدد من الخصائص لتبرير الأخذ به؛ وهي أن يكون شائعاً، وفي الاجتهاد الحديث أن يكون الخطأ مشروعاً، حيث اعتبرت هذه الأحكام أن الخطأ الفردي الذي كان يمكن تفاديه بصعوبة نسبية هو خطأ مشروع؛ فإذا كانت ظروف التعامل لا تتطلب الكثير من الحذر، وإذا كان تصرف الشخص الذي تكوّن لديه الاعتقاد الخاطئ تصرفاً معقولاً ومنسجماً مع التعامل العادي، فإن الخطأ يكون مشروعاً. والملاحظ أن هذا الاتجاه الاجتهادي يتعلق بالدرجة الأولى بالنزاعات الناشئة عن تصرف الوكيل الظاهري، وهو ينحصر في مجالات الأعمال التجارية، إلا أن هذا الاجتهاد لم يستبعد نهائياً إعمال نظرية المسؤولية المدنية في الحالات التي يمكن فيها ترتيب مسؤولية صاحب الحق الحقيقي بالاستناد على ثبوت خطئه الشخصي.

وعليه يمكن أن نلاحظ أن نظرية المظاهر تقوم على عنصرين، أحدهما مادي والآخر معنوي؛ والعنصر المادي يتمثل في المظهر نفسه كالبطاقة التي يبرزها الوكلاء أو المندوبون أو الممثلون الظاهريون، والأوراق التي تحمل اسم صاحب الحق الحقيقي التي يستعملونها ووجود اسم صاحب الحق الحقيقي مطبوعاً على حقائبهم، أو الألبسة التي يرتدونها أو وجود لافتة على مكتب الشخص الظاهري توحي بأنه يعمل باسم الشخص الحقيقي. والعنصر المادي يتميز غالباً بالتكرار، بل بسمة التكرار؛ فالحالة الواقعية الظاهرية المتكررة أو المستمرة هي الحالة التي يمكن الركون إليها. وبهذا المعنى يمكن القول إن الوقائع تتكلم وتفصح عن الحقيقة، إلا أن الحقيقة تكون في بعض الأحيان زائفة. وهذه الحقيقة الزائفة كما رأينا، يمكن أن تولد الحقوق. ويراقب القاضي توفر العنصر المادي مراقبة دقيقة، فإذا وجد أن بعض الحقوق متناقضة وأن الحقيقة الظاهرية مشوشة فإنه لا يطبق نظرية المظاهر.

وتوافر العنصر المادي يحتاج العنصر المعنوي الذي يتمثل في الاعتقاد الخاطئ بحسب ما استقرت عليه محكمة النقض المصرية، التي تقول في قرار لها عام 1971 إنه:

يشترط لاعتبار الوكيل الظاهر نائباً عن الموكل أن يكون المظهر الخارجي الذي أحدثه هذا الأخير خاطئاً وأن يكون الغير الذي تعامل مع الوكيل الظاهر قد انخدع بمظهر الوكالة الخارجي.

من هنا نجد أن دور الاجتهاد في هذا الجانب لا يبدو محدداً؛ إذ هو يأخذ تارة بالخطأ الشائع وتارة بالخطأ المشروع. وهذا التردد في تحديد المظهر المعنوي يبدو مبرراً لأن النظرية تهدف بالأصل إلى تصحيح الإعمال المنطقي الآلي لقواعد القانون الوضعي وليس من الممكن لتحقيق الوصول إلى هذا الهدف أن تقوم النظرية على قواعد منطقية بحتة يتم تطبيقها بصورة آلية؛ فدور القاضي في مثل هذه الأحوال وتطبيقها هو دور أساسي. وتتجاوز محكمة التمييز في مراقبة هذا التطبيق قاعدة حظر الرقابة على الوقائع، إذ أن قاضي التمييز يراقب توافر العنصرين المادي والمعنوي كما يراقب صحة تقدير القاضي الموضوع لكل من العنصرين.

وختاماً، نشير إلى أن الحكم بالاستناد على نظرية المظاهر لا يؤدي إلى تكريس الأعمال القانونية التي أجراها الأشخاص الظاهريون، بل إلى تكريس آثار ونتائج هذه الأعمال، وأن الأشخاص الثالثين ذوي النية الحسنة هم الذين يستفيدون وحدهم من آثار الحكم؛ أما الشخص الظاهري فلا يمكنه أن يحقق أي مكسب نتيجة لذلك، علماً بأن النظرية لا تحول دون عودة صاحب الحق الحقيقي على الشخص الظاهري ومطالبته بالتعويض، وهذا ما استقرت عليه اجتهاد محكمة النقض السورية من أنه:

 ـ بعد علم الوكيل بالعزل إذا تعاقد مع الغير حسن النية فإن أثر التعاقد ينصرف إلى الموكل لا بموجب وكالة حقيقية بل طبقاً لقواعد الوكالة الظاهرة (نقض سوري رقم 399 أساس 757 تاريخ 2/4/1984ـ سجلات محكمة النقض).

القانونية أمل عبد الهادي مسعود
عدد الزيارات
575
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

حركة الكواكب يوم 24 نيسان

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتراجع في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات…
2018-04-23 -

حركة الكواكب يوم 23 نيسان

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتراجع في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات…
2018-04-23 -

تقرير الـsns: أردوغان يفضح الحلفاء الأمريكيين: 5000 شاحنة سلاح دخلت سورية.. يحاولون إفشال مبادرات موسكو السورية.. اقتراحات لحرب غربية على…

قال أردوغان، إن الولايات المتحدة باتت تهدد الأمن التركي من خلال إرسالها كميات كبيرة من الأسلحة إلى شمالي سورية حيث ينفذ الجيش التركي عملية عسكرية…
2018-04-23 -

إقرأ أيضا

تقرير الـsns: الرئيس الأسد: سنستعيد كامل الأراضي السورية.. لافروف: دعوة ماكرون موقف استعماري.. واشنطن ترفض المشاركة في إعمار مناطق سيطرة الدولة..؟!!

أكد الرئيس بشار الأسد خلال استقباله كبير مساعدي وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية الخاصة حسين جابري أنصاري، أن العدوان الثلاثي على سورية لن ينجح. وأكد أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا "ومعها مجموعة من أدواتها من دول المنطقة كانت تدعم الإرهابيين منذ اليوم الأول للحرب على سورية وعدوانها المباشر مؤخرا، لن…
2018-04-24 -

حظوظ الأبراج ليوم 25 نيسان

الحمل حماسك قليل لإنجاز العمل المطلوب منك وكأنك فاقد للطاقة وأفكار سلبية تسكنك والمسؤوليات الطارئة تزعجك اليوم وكأن عبء العمل يقع على عاتقك وحدك الثور تمتلك دقة الفهم والحكم على الآخرين و تدخل أكثر لطبيعة الآخرين وتفهم احتياجاتهم وتبرر أخطاءهم ويزداد تفكيرك وعملك اجتماعياً يوم فيه مرونة وتكيف وقد تجد…
2018-04-24 -
2018-04-24 -

قرعة كأس العرب للأندية الأبطال.. الجيش في مواجهة المريخ السوداني

أوقعت قرعة كأس العرب للأندية الأبطال التي جرت مساء اليوم في مدينة جدة السعودية فريق الجيش في مواجهة المريخ السوداني. وتم تقسيم الفرق على مجموعتين… !

2018-04-24 -

محمود مرعي: تفعيل سوتشي مقترن بتحرير كامل دمشق وريفها .. وجنيف ما زال بعيداً

أكد أمين عام هيئة العمل الوطني الديمقراطي وأمين عام الجبهة الديمقراطية المعارضة محمود مرعي أنه " كلما حقق الجيش السوري تقدماً على الجبهات قابله عدوان… !

2018-04-24 -

حنان ترك تحسم الجدل حول عودتها للتمثيل

لندن: نشر الإعلامي اللبناني نيشان ديرهاروتيونيان عبر موقع التواصل الاجتماعي “انستغرام”، مجموعة صور مع الفنانة المعتزلة حنان ترك، أثناء تواجدهما بدولة الكويت، للمشاركة في فعاليات… !

2018-04-24 -

الدفاع الروسية: إسقاط أهداف جوية صغيرة مجهولة قرب قاعدة حميميم

أفادت وزارة الدفاع الروسية، مساء اليوم الثلاثاء، بأن وسائل الدفاع الجوي التابعة لقاعدة حميميم الروسية أسقطت أهدافا جوية صغيرة الحجم مجهولة الهوية، دون وقوع مصابين… !

2018-04-18 -

5 فرق سورية تشارك في المرحلة التجريبية للمسابقة البرمجية العالمية في الصين

بدأت اليوم في العاصمة الصينية بكين المرحلة التجريبية للمسابقة البرمجية العالمية بمشاركة خمسة فرق سورية من أصل 147 فريقا من 47 دولة على أن تنطلق… !

2018-04-24 -

ابتكار جديد للحماية من الهجمات السيبرانية

طور باحثون أمريكيون طريقة جديدة موثوقة لحماية البيانات المختلفة في الشبكات الرقمية المستقبلية. ويتلخص الابتكار الجديد الذي توصل إليه خبراء جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس… !

2018-04-02 -

الرئيس الأسد يصدر قانوناً يجيز إحداث مناطق تنظيمية ضمن المخطط التنظيمي

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم القانون رقم 10 لعام 2018 القاضي بجواز احداث منطقة تنظيمية او اكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الادارية وذلك… !

2018-04-24 -

محامية هولندية تطالب قطر بتعويض ضحايا "النصرة"

طلبت محامية حقوقية هولندية بارزة، الاثنين، من قطر صرف تعويضات لضحايا إرهاب تنظيم "جبهة النصرة" في سورية، قائلة إن الجبهة تمولها شبكات مقرها قطر بحسب… !

2018-04-18 -

سيمونيان للصحافة الغربية: هذا هو الفرق بيننا

تحدثت رئيسة تحرير شبكة قنوات RT التلفزيونية، مارغريتا سيمونيان، في مقابلة حصرية مع قناة SVT السويدية، عن مهمة RT ومبادئ عملها، لكن اللقاء جرى على… !

2018-04-23 -

حظوظ الأبراج ليوم 23 نيسان

الحمل   تشرح وجهة نظرك وتنجح في فرضها وإقناع الآخرين بها وتبادر بلطف تجاه الآخرين وتستغل موهبتك بالكلام لتفصح عن مشاعرك بحرية وسعادة الثور   قد تتعرض لهجوم من العائلة لأنك مهمل لأمورهم أومن طلبات تفوق قدراتك…

2018-04-23 -

حظوظ الأبراج ليوم 24 نيسان

الحمل   ستكون الأمور مبشرة بالأفضل فقد يتغير شعورك من القلق إلى الحب وتستعيد حرارة علاقاتك فاليوم تقُدَّر وتوضع أفعالك في مكانها اللائق فالمحيط يقدر ما تفعله الثور   قد تنتظر حدثاً يؤرقك تأخيره وقد تكون الشؤون…