تلفريك «سياحوسياسي»

مقالات مختارة

2018-02-06 -
المصدر : الوطن

علي محمود هاشم

رغم ما يعكسه «تلفريك» منطقة «السمرا» في ريف اللاذقية الشمالي من اتخاذ الحكومة قرارها بالمضي في تطلعاتها التنموية لأبعد من الأفق الذي أغلقته الحرب على سورية، إلا أن المشروع الذي يتحلق حوله فضاء سياحي متكامل للمنطقة، إنما يجسد قطعة بازل كبيرة من اللوحة الزئبقية لحرب الطاقة شرق المتوسط.
«السمرا»، أقصى التخوم السورية على الحدود مع تركيا، كان مقدراً لها في سني الحرب الأولى لعب دور المقطع الأخير في «تلفريك نفطي» فرنسي تركي تنطلق شحناته المسروقة من حقول «دولة كردية» وما خلفها من غاز خليجي، لتنتهي في مصب على المتوسط.
هذا السيناريو الذي أطّر التفاهمات الفرنسية التركية للأعوام الثلاثة التالية لتوقيعه في 2011 بتنسيق تآمري مع ميليشيات «كردية» و«تركمانية» وتكفيرية تُشكَّل تم احتطابها لتشكيل قوس بشري يمتد من شمال العراق وحتى السواحل السورية، لم يلبث أن سقط مع تحرير مدينة كسب عام 2014 قبل أن يتمدد في قبره الضيق مع تطهير كسب وحلب ومعظم ريف اللاذقية الشمالي، في العامين التاليين.
«تلفريكنا» في «السمرا» اليوم، يُقوّم سياسياً كترسيم سياحي نهائي لحدود أحلام المشغلين السابقين للتنظيمات الانفصالية «الكردية والتركمانية»، إلا أنه يتمظهر أيضاً، وبلغة «سياحوسياسية»، كإجابة عن محاولة الوريث البريطاني متزايد النشاط في شمالي سورية استنساخ الطبعة الثالثة من «قناطر نابوكو» لتمرير الغاز الخليجي نحو أوروبا، بعدما أغرقت روسيا منابع ومسارات نسختها الأولى عند بحر قزوين، في عمق جدل قانوني «بيزنطي» حول تسميته المناسبة: بحيرة أم بحراً، قبل أن يدفن الجيش العربي السوري وحلفاؤه، دواعش الحدود العراقية وأحلام تمرير «نابوكو الثاني» على أنقاض جغرافيتنا الوطنية، سوية في رمال البادية.
إلى الخلف من «السمرا»، ما زالت مشهدية حرب الغاز على تبدلها المضطرد دافعة أمامها مزيداً من التبدلات السياسية والعسكرية شرق المتوسط، هناك، وبقليل من التخيّل، قد يجد المرء تفسيراً مناسباً للتوقيت التركي في الحرب على عفرين.
فمع انغلاق الجغرافية السورية أمام «نابوكو الثاني والثالث»، وكذا التركية بعدما باتت ممراً لقناطر «السيل الجنوبي» الروسي المنافسة نحو أوروبا وتحييد قدرة أنابيب «تاناب» التركية البريطانية الممتدة من إذربيجان إلى اليونان، قد تكون عيون الغرب تفحّصت -في لحظة الهزيمة- لواء إسكندرون كممر محتمل لأنابيب «نابوكو الرابع».
هذا الإقليم السوري السليب المرشح ليكون محط اهتمام قانوني خلال العقد القادم، يجسد انقلاب السحر على «تاجر إسطنبول» الآيل من شريك أساسي سابق في اصطناع كيان كردي شمالي سورية إلى عدو لدود له راهناً؟!، العدوان على عفرين، يرتصف في لمحة منه كرد استباقي استنهض العسكرة التركية بموروثها الأتاتوركي والعثماني معاً، لمواجهة مشروعات «نابوكو» البريطانية الأميركية الجديدة.. لربما هاهنا فقط، أيقنت كاريزما الغدر الإخوانجية التركية الشهيرة بأن طُرق أبواب دمشق التي ما زالت تحتفظ ببعض مفاتيح لواء إسكندرون، هو الطريق الوحيد للصلاة الحقّة في مسجدها الأموي، لا التسلل كاللصوص من فوق «أساطيحه».
راهناً، ما زالت خرائط ممرات الطاقة شرق المتوسط عالقة كما كانت عليه في عامي 2010 و2011، يزيدها تمنّعاً جملة التبدّلات الدرامية في الاصطفافات الإقليمية بما فيها العداء التركي المستجد «للتطلعات الكردية» الانفصالية، وانعكاسه على قنوات تمرير النفط والغاز السوري المسروق شمالاً بعدما كان ميناء جيهان التركي أبرزها، كما الغموض الذي يلف مصير نفط وغاز «كردستان» الذي استفاقت الولايات المتحدة وبريطانيا قبيل استفتائه الشهير، على اختراقه بمليارات الدولارات، استخراجاً وأنابيب، عبر الذراع الاستثمارية الروسية «روسنفط»، قبل أن تذهب بريطانيا «الاستعمارية» مؤخراً لاستلهام إستراتيجية موسكو بمواجهة «نابوكو الأول» عبر «العقود الآجلة لغاز بحر قزوين»، واستنساخها تفرّداً –أي بريطانيا- بحقول «كركوك» بعد نصف قرن على تأميمها منها، قطعاً للطريق أمام «روسنفط».
على أرض العراق اليوم، ثمة كباش طاقوي، انتخاباته القادمة في أيار، قد تفصح عن بعض ملامح معركة قناطر الطاقة شرق المتوسط، وفي مقدمها اتفاقات 2008 السورية العراقية الإيرانية بمعاودة ضخ النفط في أنبوب «كركوك/بانياس/ طرابلس»، في مقابل ممرات انتقامية أخرى تفتقر إلى الاستثمارية، يسعى الغرب عبر بعض عملائه في السعودية والبصرة العراقية، إلى ترحيلها جنوباً نحو الأردن، فالاحتلال الإسرائيلي.
بغض النظر عن أهميته الاقتصادية، يجب بتلفريك «السمرا السياسي» المضي سريعاً لنقل السياح في أرجاء تلك البقعة الفريدة جمالاً، إذ يشعر المرء برغبة جارفة في ركوب إحدى كبائنه قريباً ليعاين واحدة من ملاحم الانتصار على أوقح المشروعات الغربية شرق المتوسط وأكثر دموية، ولا ضير من المرور على قبر «نابوكو الثالث» هناك، والاستجابة لنداء الطبيعة في ترطيبه.

-
عدد الزيارات
219
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 25 أيار - وفاء عامر ..كل عام وأنت بخير

يكره الروتين ويخافه ويأمل في أن تكون حياته مليئة بالمغامرات والتجديد ، عاشق لشخصيته لكنه ليس أنانياً فمحبته للآخرين واضحة وضوح شمس الصيف ، إذ…
2018-05-24 -

ترامب يهرب من مواجهة الزعيم كيم..؟!

أعلن البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب قرر إلغاء لقاء القمة مع زعيم كوريا الديمقراطية (الشمالية) كيم جونغ أون الذي كان مقررا في 12 حزيران…
2018-05-25 -

تقرير الـsns: روسيا: سورية تقرر من يساعدها في محاربة الإرهاب... ما هي وجهة الجيش المقبلة..؟!

أكد الرئيس بوتين على ضرورة تشكيل اللجنة الدستورية السورية وإطلاق عملها، معتبرا إياه من المهام الأولوية. وقال بوتين في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي…
2018-05-25 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 26 أيار

الحمل قد تعاني من تأخير أو تسويف وهذا يجعلك فاقد الصبر أو تعاني من تراجع صحي وقد تشعر أن الأمور تتراجع قليلاً وكأن قيداً التف على بعض الأمور المستعجلة لتبدأ الأمور بالتباطؤ أو تعاني من بعض العرقلة بسبب الآخرين الثور من الضروري أن تنهي أعمالك بعيدا عن التسالي والتجمعات لأن…
2018-05-26 -

حركة الكواكب يوم 26 أيار

المشتري كوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية يسكن هذا العام في العقرب وفي الشهر الأخير من العام يتحرك باتجاه القوس و حركته عام واحد و هو كوكب الحظوظ السعيدة يتراجع في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات عطارد كوكب المستندات…
2018-05-26 -
2018-05-19 -

حميد ميدو: تجربة احترافية جديدة قريباً.. والتركيز الأكبر على نهائيات آسيا لكرة القدم

حميد ميدو لاعب خط وسط منتخبنا الوطني لكرة القدم تتسابق إليه الأندية للتعاقد معه كونه يعد من أفضل لاعبي خط الوسط والارتكاز في القارة الآسيوية… !

2018-05-26 -

تقرير الـsns: موسكو: توريد "إس-300" لسورية قيد البحث.. هل يتجه الجيش إلى الجنوب..؟!

أكد مسؤول روسي رفيع المستوى، أمس، أن مسألة توريد منظومات "إس-300" الروسية للدفاع الجوي إلى سورية لا تزال قيد البحث. وفي كلمته أمام منتدى بطرسبورغ… !

2018-05-25 -

دارين حدشيتي تعود بعد غياب طويل!

بعد غياب دام لسنوات عن الساحة الفنية قامت صفحة على موقع يوتيوب بنشر أغنيتين من ألبوم الفنانة دارين حدشيتي. الأغنية الاولى بعنوان "بعدو إلي" كلمات… !

2018-05-25 -

وكالات: الجيش يلقي منشورات فوق درعا تحذر من عملية عسكرية

أفادت وكالة "فرانس برس" ، بأن قوات سورية ألقت منشورات فوق محافظة درعا الجنوبية تحذر من عملية عسكرية وشيكة وتدعو المسلحين إلى إلقاء السلاح. ووفقا… !

2018-05-25 -

روسيا تختار 500 طالب سوري

خصصت روسيا 500 منحة دراسية للطلاب السوريين، للمرحلتين الجامعية الأولى والدراسات العليا في 6 جامعات روسية. وقال مدير المركز الثقافي الروسي فاديم زايتشيكوف بهذا الشأن:… !

2018-05-25 -

"واتسآب يعرف عنك الكثير"… لكن هناك طريقة "رائعة" لمعرفة كل ذلك

ينتاب مستخدمو مواقع وتطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي حالة من الذعر حول ما تعرفه هذه التطبيقات عنهم، وذلك بعد تسريب بيانات مستخدمي فيسبوك عبر شركة كامبريدج… !

2018-05-08 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما بتسمية محمد جهاد اللحام رئيسا للمحكمة الدستورية العليا وتسمية أعضائها

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 165 لعام 2018 القاضي بتسمية محمد جهاد اللحام رئيسا للمحكمة الدستورية العليا وتسمية أعضائها. وفيما يلي نص… !

2018-05-26 -

تقرير الـsns: إيران: الخطوات الأحادية ستقود إلى مأزق.. التوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران يهدد بحرب مفتوحة.. ما السبب الحقيقي وراء العقوبات الأمريكية على طهران..؟!

أكد الرئيس بوتين أن خطة الأعمال المشتركة الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني مثبتة بقرار مجلس الأمن الدولي وأي خطوات أحادية الجانب ستقود إلى مأزق. وقال بوتين… !

2018-05-16 -

سيمونيان ترد على صحفي أمريكي يحرض على قصف جسر القرم

تطرقت رئيسة تحرير شبكة قنوات RT التلفزيونية، مارغريتا سيمونيان، إلى مقالة نشرتها مجلة "The Washington Examiner" الأمريكية، تتضمن دعوات لقصف جسر القرم الجديد. وكتبت سيمونيان… !

2018-05-24 -

حظوظ الأبراج ليوم 25 أيار

الحمل    لا تغلق أبواباً مفتوحة فقط لأنك عصبي أو عنيد ولا تصعد خلافات في عملك فقد تواجه مزيداً من الجفاف في العلاقات أو من العرقلة في أمورك فاترك المشاكل جانباً فالحلول ستأتي الثور  العمل كثير…

2018-05-26 -

حظوظ الأبراج ليوم 26 أيار

الحمل    قد تعاني من تأخير أو تسويف وهذا يجعلك فاقد الصبر أو تعاني من تراجع صحي وقد تشعر أن الأمور تتراجع قليلاً وكأن قيداً التف على بعض الأمور المستعجلة لتبدأ الأمور بالتباطؤ أو تعاني من…