الموازنة العسكرية الأمريكية ومعركة استعادة الهيبة

مقالات مختارة

2017-12-17 -
المصدر : الأهرام

مصطفى السعيد

اعتمد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أضخم ميزانية عسكرية فى تاريخ الولايات المتحدة، بلغت 700 مليار دولار لعام 2018، وتزيد بنحو 100 مليار دولار عن إجمالى ميزانيات الدول التسع التالية لها فى الإنفاق العسكري، وهى الصين وبريطانيا والهند وروسيا والسعودية وفرنسا واليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية.

والسؤال طالما أن الميزانية العسكرية الأمريكية بهذه الضخامة، وتعانى أمريكا عجزا حادا فى الميزان التجارى يفوق 600 مليار دولار سنويا، وديونا تجاوزت 20 تريليون دولار، فلماذا تزيد من أعبائها، وتخفض الإنفاق على خدمات أخرى يحتاجها المواطن الأمريكي، طالما أنها لا تحتاج إلى المزيد من القوة؟

الإجابة تبدو صعبة، خاصة عندما نجد أن ما فعلته الولايات المتحدة بهذه القوة المفرطة محدود للغاية، فقد فشلت فى جميع الحروب والأزمات المسلحة التى خاضتها، سواء فى أفغانستان أو العراق وأخيرا سوريا، ولم تفعل إلا القليل فى أزمات كوريا الشمالية واليمن وليبيا، بل إن دولا لا تظهر على خريطة الإنفاق العسكرى مثل إيران كان لها تأثير يفوق الولايات المتحدة فى أزمات سوريا والعراق، وكذلك كوريا الشمالية فى جنوب شرق آسيا، فالقوات الأمريكية منتشرة فى كل أرجاء العالم، لكنها ليست الأقوى على هذه المساحة الواسعة، لأن روسيا أقوى منها فى شرق أوروبا، وكذلك الصين أقوى فى شرق آسيا.

إن القوات الأمريكية المبعثرة فى كل الأرجاء تظهر عليها علامات السمنة المفرطة، ضخمة دون فعالية وتأثير، بل تحولت الكثير من القواعد العسكرية الأمريكية إلى عبء بالمفهوم العسكري، وهذا ظهر واضحا خلال أزمتيها مع كل من كوريا الشمالية وإيران، فقد كانت تخشى حدوث مواجهة عسكرية تتعرض فيها قواعدها إلى هجمات صاروخية خطيرة، سواء فى منطقة الخليج من إيران، أو فى اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين من كوريا الشمالية.

ليست الموازنات العسكرية الضخمة وحدها هو ما يضمن الفوز فى الحرب، هذا ما علمته فيتنام للعالم، فبعد أن استسلمت الجيوش الفرنسية فى فيتنام عام 1954 عقب معركة ديان بيان فو الشهيرة، قال الزعيم الفيتنامى هوشى منه ساخرا: لم نخسر فى الحرب أى طائرة أو دبابة أو سفينة حربية، لأننا لا نملك طائرات أو دبابات أو سفنا، أما الجنرال جياب القائد العسكرى الأسطوري، الذى قاد القوات الفيتنامية للنصر على فرنسا ومن بعدها الولايات المتحدة فقال: لقد انتصرنا بفضل روح وإرادة الشعب الفيتنامى الذى حمل السلاح زودا عن كرامته وحريته، ولم تفهم أمريكا أو فرنسا ثقافة وروح هذا الشعب. لقد انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان والعراق تحت ضربات حرب العصابات التى كانت فيتنام أبرز ساحاتها فى خمسينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي، وكانت ملهمة لحركات التحرر فى أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، ومازالت بصماتها واضحة حتى الآن فى الكثير من الحروب، أبرزها لبنان وغزة، وخشيت أمريكا من خوض حرب برية فى سوريا حتى لا تتعرض لانتكاسة مماثلة لقواتها فى العراق.

لقد كشفت الحرب السورية عن ثغرات خطيرة فى القوة العسكرية الأمريكية، فلا هى تفوقت على السلاح التقليدى الروسى سواء فى الطائرات أوالصواريخ أوالحرب الإلكترونية لتحسم المعارك من الجو، ولا هى قادرة على الفوز فى الحرب غير النظامية، التى تطورت أسلحتها وأدواتها وتكتيكاتها، ولهذا تجنب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل خوض صدامات مباشرة، واكتفت بمحاولات التأثير عن بعد فى مسارات المعارك دون أن تحقق مكاسب ملموسة، وتخشى الولايات المتحدة من تكرار هذا السيناريو فى ساحات أخري، لهذا توجب عليها إعادة النظر فى منظومتها العسكرية المترهلة، وها هى تسعى للتفاوض مع كوريا الشمالية لتجنب أى صدام، بينما تعتمد فى ضرب إيران على إثارة الصراع مع جيرانها العرب وربما الأتراك دون أن تتحمل مشاق وخسائر الحرب. لا يمكن تجاهل مدى حاجة ترامب إلى كسب ود البنتاجون، وإرضاء كبار الجنرالات برفع الميزانية العسكرية والرواتب، لكن الأهم هو أن الولايات المتحدة فى حاجة إلى انتصار عسكرى كبير لتحافظ على هيبتها، وتبث الخوف بين خصومها، وطمأنة إسرائيل على مستقبلها الذى يبدو محفوفا بالمخاطر، وشركات السلاح التى تريد إثبات جدوى ما تنتجه وما تجنيه من أرباح، ومن هنا يأتى الخطر من تنامى النزعة العسكرية الأمريكية، التى يمكن أن يرى اليمين المتطرف فى أوساط رجال السياسة والمال والاقتصاد أنها طوق النجاة الأخير للولايات المتحدة من أزمتها الإقتصادية، وهو ما يتوافق مع تصريحات ترامب التى تبدو فجة، عندما تحدث صراحة أن على الدول دفع نفقات حمايتها، وكأنه بلطجى العالم الذى يفرض الإتاوات مقابل الأمن، ويحصل على عقود اقتصادية تحت ضغط القوة العسكرية وليس بالمنافسة الرأسمالية الحرة، وكأن التهديد بالحرب أو الحماية منها هو الطريق الوحيد لتجاوز الأزمة الاقتصادية والسياسية التى تجتاح الولايات المتحدة.

-
عدد الزيارات
212
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

دريد لحّام.. سنديانة دائمة الشموخ..الجزء الأول

نشرت مجلة الإذاعات العربية في عددها الصادر مؤخراً ملفا بعنوان "دريد لحّام.. سنديانة دائمة الشموخ" تناول فيه الإعلامي والناقد السينمائي الأستاذ فؤاد مسعد أهم المحطات…
2018-04-25 -

بأي ثمن تبيع روسيا بوتين سورية الأسد؟

المحلل السياسي ألكساندر نازاروف أحيانا ما يصادف المرء في الصحافة العربية، وخاصة صحافة الخليج مناقشات حول السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط وتدور تلك المناقشات…
2018-04-24 -

صفات مولود 25 نيسان..محمد رياض ..كل عام وأنت بخير

الأكثر ثباتاً والأكثر ميلاً للعزلة .. يتصرف بصمت وهدوء حتى ينال أهدافه ويصل إلى ما يريد .. إنه شديد الطموح .. شديد البحث عن الكمال…
2018-04-24 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 26 نيسان

الحمل وظف طاقاتك في مجالات تنفعك وتنهي عملك الكثير خاصة أنك مشغول بأعطال لأن الكواكب تدفعك إلى العمل بعيداً عن التباطؤ وعدم التقيد بالوقت الضروري الثور أنت تعيش تغيرات أو تعديلات في مخططاتك وبرامجك وتبذل الجهود للسير في أمورك إلى التغيير وتمتلك اليوم قوة القرار وصوابية الأحكام وترى أن الأمور…
2018-04-25 -

دريد لحّام.. سنديانة دائمة الشموخ..الجزء الأول

نشرت مجلة الإذاعات العربية في عددها الصادر مؤخراً ملفا بعنوان "دريد لحّام.. سنديانة دائمة الشموخ" تناول فيه الإعلامي والناقد السينمائي الأستاذ فؤاد مسعد أهم المحطات في مسيرة الفنان الكبير بدءاً بتجسيده شخصية "غوار الطوشة" حتى مشاركته في مسلسل "ضبوا الشناتي" كضيف شرف مرورا بعشرات الأعمال التي أثرت ذاكرة المسرح والتلفزيون…
2018-04-25 -
2018-04-24 -

قرعة كأس العرب للأندية الأبطال.. الجيش في مواجهة المريخ السوداني

أوقعت قرعة كأس العرب للأندية الأبطال التي جرت مساء اليوم في مدينة جدة السعودية فريق الجيش في مواجهة المريخ السوداني. وتم تقسيم الفرق على مجموعتين… !

2018-04-26 -

تقرير الـsns: سورية: النواب الأمريكي يقر قانونا يعيق المساهمة في إعادة الإعمار.. موسكو نعارض إرسال قوات عربية.. وسنزود الجيش قريباً بأسلحة دفاع جوي جديدة..؟!

أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، أمس، أن موسكو ستسلم قريبا إلى سورية منظومات دفاع جوي متطورة. وأكد رئيس إدارة العمليات لدى قيادة الأركان… !

2018-04-26 -

إنريكي إيغليسياس ينشر صوراً لتوأميه

كشف المغنّي الأسباني إنريكي إيغليسياس ما يقوم به برفقة طفليه التوأمين أثناء مباريات كرة القدم، وذلك عبر نشره لصورة على حسابه على انستغرام. ويظهر في… !

2018-04-26 -

وحدات من الجيش العربي السوري تنفذ عمليات دقيقة ومعقدة بالتنسيق مع الرصد الجوي لتفكيك وقطع خطوط الإمداد والتواصل بين الإرهابيين في منطقة الحجر الأسود

مراسل سانا الحربي :وحدات من الجيش العربي السوري تنفذ عمليات دقيقة ومعقدة بالتنسيق مع الرصد الجوي لتفكيك وقطع خطوط الإمداد والتواصل بين الإرهابيين في منطقة… !

2018-04-18 -

5 فرق سورية تشارك في المرحلة التجريبية للمسابقة البرمجية العالمية في الصين

بدأت اليوم في العاصمة الصينية بكين المرحلة التجريبية للمسابقة البرمجية العالمية بمشاركة خمسة فرق سورية من أصل 147 فريقا من 47 دولة على أن تنطلق… !

2018-04-26 -

هاكرز يصنعون "مفتاحا" يخترق ملايين الغرف الفندقية

كشفت دراسة مثيرة للقلق تقنية مبتكرة يستخدمها الهاكرز لفتح باب غرفتك "الآمنة" في الفندق الذي تقيم فيه. وتمكن الباحثون في "F-Secure" من تطوير "مفتاح رئيسي"… !

2018-04-02 -

الرئيس الأسد يصدر قانوناً يجيز إحداث مناطق تنظيمية ضمن المخطط التنظيمي

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم القانون رقم 10 لعام 2018 القاضي بجواز احداث منطقة تنظيمية او اكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الادارية وذلك… !

2018-04-26 -

"رايتس ووتش": السعودية أعدمت 48 شخصا منذ بداية العام

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن السعودية أعدمت 48 شخصا في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، نصفهم في قضايا مخدرات، مطالبة المملكة "بتحسين نظامها… !

2018-04-18 -

سيمونيان للصحافة الغربية: هذا هو الفرق بيننا

تحدثت رئيسة تحرير شبكة قنوات RT التلفزيونية، مارغريتا سيمونيان، في مقابلة حصرية مع قناة SVT السويدية، عن مهمة RT ومبادئ عملها، لكن اللقاء جرى على… !

2018-04-24 -

حظوظ الأبراج ليوم 25 نيسان

الحمل   حماسك قليل لإنجاز العمل المطلوب منك وكأنك فاقد للطاقة وأفكار سلبية تسكنك والمسؤوليات الطارئة تزعجك اليوم وكأن عبء العمل يقع على عاتقك وحدك الثور   تمتلك دقة الفهم والحكم على الآخرين و تدخل أكثر لطبيعة…

2018-04-25 -

حظوظ الأبراج ليوم 26 نيسان

الحمل   وظف طاقاتك في مجالات تنفعك وتنهي عملك الكثير خاصة أنك مشغول بأعطال لأن الكواكب تدفعك إلى العمل بعيداً عن التباطؤ وعدم التقيد بالوقت الضروري الثور   أنت تعيش تغيرات أو تعديلات في مخططاتك وبرامجك وتبذل…