معوقات المصالحة الفلسطينية مبهمةٌ وذرائعها محيرةٌ

مقالات مختارة

2017-09-22 -
المصدر : محطة أخبار سورية

يحار الفلسطينيون أنفسهم في معرفة الأسباب الحقيقة التي تعيق المصالحة وتعرقل الاتفاق، ويختلفون في بيان مواقف طرفي الانقسام وتفسير سياستهما، ومعرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تعذر المصالحة وتأخر الاتفاق، فقد ضاقوا ذرعاً بمسار الحوار ويأسوا من مستقبله، ونفضوا أيديهم من خيره، وباتوا يتندرون بانعقاده، ويصفونه بالمسلسل المكسيكي الكثير الحلقات الذي تستجد أحداثه وتتوالى فصوله ولا تعرف له نهاية.

ذلك أنه قد طال عمره فتجاوز العشر سنوات، وتعقدت ملفاته وتشعبت قضاياه، وكثر وسطاؤه وتعدد رعاته، وتبدل المفاوضون وتغير المتحاورون، وتنوعت ساحاته، ولكن الاستعصاء ما زال قائماً، والحل ما زال متعذراً، ولا يبدو أن في الأفق ما يبشر بخيرٍ، أو يومئ بقرب انتهاء حقبة الانقسام، فلا غيوم في سماء الوطن، ولا أجواء إيجابية توحي بالثقة والطمأنينة والصدق والارتياح، رغم ما يشاع ويعلن عن توصل الفرقاء إلى اتفاق، وإعلان الوسيط المصري عن انتهاء الأزمة وبداية مرحلةٍ جديدة.

أما الأخوة والأشقاء، العرب والمسلمون، والغرباء والأجانب، المتضامنون والمساندون والمتعاونون، فهم أكثر حيرةً وأشد تيهاً من أبناء القضية وأصحاب الشأن، ولديهم من التساؤلات ما يصدع رؤوسهم ويذهب بالكثير مما بقي لديهم من فهمٍ نقيٍ وصافي للقضية الفلسطينية، وإن كانوا يعرفون أن الفرقاء يختلفون في النهج السياسي، ويفترقون في استراتيجيات المواجهة، ولكل طرفٍ منهما برنامجٌ سياسي ومرجعياتٌ وحلفاء ووسائل نضالية مختلفة عن الآخر.

إلا أنهم لا يبررون لهم انقسامهم الجغرافي، وخصومتهم الدموية، ومماحكاتهم المسيئة للشعب والقضية، كما لا يفهمون عجزهم لسنواتٍ عن الاتفاق، وفشلهم المتكرر وكأنه مقصودٌ ومتعمدٌ، وعدم مقدرتهم على اللقاءات الثنائية إلا بجهود وسطاء، وعلى أرضٍ أخرى وعواصم مختلفة غير موطنهم الذي يستطيع أن يجمعهم، ويمكنه التوفيق بينهم، إلا أن جغرافيا الوطن باتت بالنسبة لهم سياسة وهوية، فلا يتسع لهم الوطن ولو كان رحباً، ويضيق عليهم ولو كان فضاءً، رغم أن جزءاً من الوطن بات محرراً، وفيه يمكن اللقاء، وعلى أرضه قد يتحقق الوفاق، ولكن الذي لا يطهره الماءُ، لا يذهبُ عنه النجسَ كثرةُ الترابِ.

كلاهما لا يستطيع أن يدرك إلام الاختلاف والانقسام في ظل وجود الاحتلال، واستمرار حالات الاعتقال، وعمليات القتل اليومية التي يمارسها جيش العدو ومستوطنوه، وفي ظل تعثر مسار المفاوضات وتخلي الرعاة الدوليين عن أدوارهم المفترضة، وتفرد فيه الولايات المتحدة الأمريكية بادعاء الرعاية، رغم أنها لا تخفي انحيازها، ولا تمتنع عن ممارسة الضغط على الطرف الفلسطيني الضعيف المغلوب المظلوم.

الفلسطينيون يعرفون أن الانقسام يضعفهم، والاختلاف يمزقهم، وتأخر الاتفاق يفقدهم النصير والسند، وفرقتهم تغري العدو وتبرر لغيره عدم الجدية والمسؤولية، ويعرفون أن صورتهم لدى المجتمع الدولي باتت مشوهة، وقضيتهم لم تعد جامعة ولا جاذبة، وهمومهم لم تعد تثير في الأمة شيئاً، ولا تحرك جراحاتهم أحداً، ولا تعني معاناتهم غيرهم ولا تشغل أحزانهم سواهم، ورغم ذلك تمعن القيادة الفلسطينية والقوى والفصائل في الاختلاف، وتتمادى في الإساءة، وتبني حولها جدراً من المقاطعة، وتدعي أنها على الحق، وأن غيرها هو الذي حاد وابتعد، وأخطأ وأساء، وعليه إن أراد المصالحة أن يعترف بالحق وأن يعتذر عن الخطأ، وأن يسلم بالأمر، ويقبل أن يكون تابعاً لا شريكاً، ومقوداً لا قائداً.

لكن عامة الفلسطينيين وبسطاءهم، نساءهم ورجالهم وأطفالهم، ممن يجلسون على قارعة الطريق عاطلين بلا عمل، أو يعيشون على هامش الحياة السياسية ولا يشاركون قيادتهم بالرأي، وممن لا ينتمون إلى الفصائل والأحزاب، أو التلاميذ الذين يجلسون على مقاعد الدراسة في المدارس أو الجامعات، أو النساء اللاتي يتحلقن في الصباح والمساء ويتحدثن معاً، فإنهم جميعاً يعرفون أن قيادتهم غير مخلصة، ومرجعياتهم غير صادقة، وأن القوى نفسها لا تريد الاتفاق، ولا تحرص عليه ولا تسعى إليه، بل هي معنية باستمراره، ومستفيدة من بقائه، ومتضررة من زواله، ولهذا فإنهم لا يسعون لحل الأزمة، ولا يعجلون في احتوائها والسيطرة عليها، إذ باتت بالنسبة لهم مادةً للكسب، وخبزاً ليومهم وشغلاً لأنفسهم، ومبرراً لبقائهم ومسوغاً لاستمرارهم.

الفلسطينيون لا يؤمنون أبداً بأن العدو لا يريد للمصالحة أن تتم ولهذا فهي معطلة، لأنهم يعلمون يقيناً أن العدو مستفيدٌ من الانقسام ومعنيٌ به، ويرى أن المصالحة تضره والاتفاق يزعجه، والوحدة تنغصه، ولهذا فإن كانت قيادة أطراف الانقسام عاقلة وواعية، وصادقة ومخلصة، فإن عليها أن تعمل على الضد من إرادة العدو، وأن ترفض أن تكون أداةً له، يستخدمها كيفما ووقتما يريد لخدمة أهدافه وتحقيق أغراضه، وإلا فإنها تنسق معه وتعمل من أجله، وتفيده وتنفعه من حيث تدري أو لا تدري، وهي بموجب المعايير الوطنية والقوانين النضالية فإنها خائنة تستحق العقاب، وعميلة يتوجب القصاص منها.

الفلسطينيون يقولون بأن العيب ليس في الوسطاء ولا هو فيما يسمى بالرباعية العربية، وإن كانت تضع شروطاً وتفترض تصوراتٍ، وتمارسُ ضغوطاً وتحاول أن تملي مواقف، وتنسق فيما بينها وتتحد في الموقف وتتوافق في السياسة، إلا أنها تبقى عاجزة عن فعل شئٍ لا يريده الفلسطينيون أو لا يوافقون عليه، ولهذا فلا يتحمل الوسطاء ولا غيرهم مسؤولية الانقسام وتأخر المصالحة أو تعذرها، إنما العيب فينا نحن الذين لا نريد أن نتفق، ونرفض أن نلتقي، وننقلب على أنفسنا إذا اتفقنا، لأن الاتفاق يهدد مصالحنا ويفسد منافعنا.

لا يعقد الفلسطينيون الأسباب والمعوقات، ولا يتفلسفون في تحليل الموقف ومعرفة الأسباب الكامنة وراء استمرار الانقسام وتعذر المصالحة، إذ أنهم يعرفون الحقيقة ويدركون العلة والمرض، فهم لا يبرؤون أنفسهم وأطرافهم من المسؤولية المباشرة، ولا ينفون عن أنفسهم العيب والخطأ، وإن كانوا يدينون العدو لتدخلاته، والمجتمع الدولي لانحيازه، والوسطاء لعدم نزاهتهم، والرباعية العربية لتدخلاتها، والرباعية الدولية لشروطها، وينسبون الانقسام لاختلاف البرامج وتعدد السياسات، إلا أنهم يتهمون قيادتهم، ويشككون في نوايا أطراف أزمتهم، ويقولون ببساطةٍ ووضوح، وبكلماتٍ سهلةٍ وتعبيراتٍ بسيطة، أن الأطراف الفلسطينية لا تثق ببعضها، ولا تصدق نفسها، ولا تصون أمانتها، ولا تتق الله في شعبها، ولا يعنيها أمره، وإنما تهمها مصالحها، وتشغلها منافعها، وهذه كلها يضمنها الانقسام وتهددها المصالحة وتقضي عليها الوحدة الاتفاق.

 د. مصطفى يوسف اللداوي                                               

عدد الزيارات
402
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

حركة الكواكب يوم 15 تموز

المشتريكوكب الحظ والسعادة والفرص الإيجابية يسكن هذا العام في العقرب وفي الشهر الأخير من العام يتحرك باتجاه القوس و حركته عام واحدو هو كوكب…
2018-07-15 -

صفات مولود 15 تموز - علي حسن خليل...كل عام وأنت بخير

حياته نظامية . كل شيء محسوب حسابه لن يتورط في أشياء لن يستطيع سداد ثمنها أو كلام لا يستطيع تحقيقه فهو أهل للثقة محبوب من…
2018-07-15 -

تقرير الـsns: بوتين وأردوغان يبحثان هاتفيا التسوية في سورية... ما بعد انتصار سورية ومخاوف إسرائيل..!!

بحث الرئيسان بوتين وأردوغان، في اتصال هاتفي جرى بينهما اليوم السبت، التطورات الأخيرة في سورية والمسائل المتعلقة بالعلاقات الثنائية. وقال الكرملين، في بيان أصدره عقب…
2018-07-15 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 16 تموز

الحملتشعر بعقدة ذنب لأنك لا تنجز أعمالك كما تريد وبالكمال الذي تطمح له دائماً يجعلك قلقاً على أمور عملية أو تقنية فأنت دائماً تظن أن لا أحد يجيد عمله مثلك ولكنك قد تكتشف أنك بحاجة دائماً إلى معاونين تستطيع الاعتماد عليهم في أوقات الشدة الثورحاول أن تكشف للآخرين عن مشاعرك…
2018-07-15 -

تقرير الـsns: بوتين وأردوغان يبحثان هاتفيا التسوية في سورية... ما بعد انتصار سورية ومخاوف إسرائيل..!!

بحث الرئيسان بوتين وأردوغان، في اتصال هاتفي جرى بينهما اليوم السبت، التطورات الأخيرة في سورية والمسائل المتعلقة بالعلاقات الثنائية. وقال الكرملين، في بيان أصدره عقب الاتصال، إن الطرفين "بحثا قضايا حيوية للأجندة الدولية وعددا من الملفات الإقليمية مع التركيز على الخطوات المشتركة لتسوية الأزمة في سورية وفق القرارات المناسبة لمجلس…
2018-07-15 -
2018-07-14 -

ميداليتان برونزيتان وشهادتا تقدير لسورية في الأولمبياد الدولي للرياضيات برومانيا

أحرز الفريق الأولمبي العلمي السوري ميداليتين برونزيتين وشهادتي تقدير في الأولمبياد الدولي التاسع والخمسين للرياضيات الذي اختتم أمس في مدينة كلوج الرومانية. وقال رئيس هيئة… !

2018-07-15 -

أسامة دنورة : الأمريكي اليوم صاحب موقف أضعف من الروسي فيما يخص الملف السوري

أكد الكاتب والباحث بالشأن السياسي الدكتورأسامة دنورةلـميلودي افامأن "تطويقالجيش السوريلمنطقةالتنفوسيطرته على كل الجبهات القريبة تبعد عن هذه النقطة صفة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي… !

2018-07-15 -

إعلامي لبناني يزعم خيانة تامر حسني لزوجته المغربية بسمة بوسيل

زعم الإعلامي اللبناني ايلي باسيل أنه يمتلك معلومات عن خيانة المغني المصري تامر حسني لزوجته مصممة الأزياء المغربية بسمة بوسيل. وكانت وسائل الإعلام ووسائط التواصل… !

2018-07-15 -

في إطار دعمه للإرهابيين.. العدو الإسرائيلي يعتدي على أحد مواقعنا العسكرية بريف حلب

في إطار محاولاته لدعم مرتزقته من التنظيمات الإرهابية اعتدى العدو الإسرائيلي مساء اليوم على أحد المواقع العسكرية للجيش العربي السوري في ريف حلب الشرقي. وذكر… !

2018-07-14 -

دورات تدريبية للراغبين بالتقدم لمسابقة القبول في كلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق

أعلنت نقابة المعلمين بجامعة دمشق عن بدء الدورات التدريبية التي تقيمها بالتعاون مع كلية الهندسة المعمارية بالجامعة للطلاب الراغبين بالتقدم إلى مسابقة القبول في الكلية… !

2018-07-14 -

تسريبات تكشف سعر وموعد طرح "سامسونغ غلاكسي نوت 9"

كشفت تسريبات صحفية جديدة عن سعر وموعد طرح أيقونة شركة "سامسونغ" الكورية الجنوبية المرتقبة "غلاكسي نوت 9". وكشف موقع "جيز تشاينا" التقني الصيني المتخصص عن… !

2018-07-04 -

الرئيس الأسد يصدر قانوناً بتمديد إعفاء أصحاب الأعمال المشتركين لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية من الفوائد والمبالغ الإضافية

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم القانون رقم 26 لعام 2018 القاضي بتمديد إعفاء أصحاب الأعمال المشتركين لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية من الفوائد والمبالغ… !

2018-07-15 -

بوتين لماكرون: إحياء آليات التعاون بين بلدينا متواصل ونأمل بتجاوز الخلافات

أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال لقائه نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن روسيا وفرنسا تعيدان تنشيط آليات التعاون المجمدة، وأعرب عن أمله بتجاوز الخلافات القائمة… !

2018-07-14 -

التحديات والآفاق المستقبلية للإعلام الإلكتروني في ورشة عمل لاتحاد الصحفيين

ناقش المشاركون في ورشة العمل التي نظمها اتحاد الصحفيين بالتعاون مع الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية واقع الإعلام الإلكتروني والتحديات والمعوقات التي تواجهه والآفاق المستقبلية لتطويره.… !

2018-07-15 -

حظوظ الأبراج ليوم 15 تموز

الحمل  لن تفعل إلا ما تراه مناسبا و حاستك السادسة تلهمك الطريق الصحيح و اليوم للتعبير و ربما لقليل من المشاكل ستجد حلول لها ولأي موقف يعترضك فوضح مشاعرك وأفكارك الثور ناقش أمورك بهدوء بدون أن تظلم…

2018-07-15 -

حظوظ الأبراج ليوم 16 تموز

الحمل  تشعر بعقدة ذنب لأنك لا تنجز أعمالك كما تريد وبالكمال الذي تطمح له دائماً يجعلك قلقاً على أمور عملية أو تقنية فأنت دائماً تظن أن لا أحد يجيد عمله مثلك ولكنك قد تكتشف أنك بحاجة…