معركة الأقصى سبرٌ للقوة واكتشافٌ للذات

مقالات مختارة

2017-08-03 -
المصدر : محطة أخبار سورية

معركة بوابات الأقصى التي أشعل العدو فتيلها وفجر بركانها بقراراته العنصرية الطائشة، وسياساته العدوانية الغاشمة، لم تكن معركةً عاديةً كتلك التي خاضها الفلسطينيون مراراً مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فهي لا تشبه غيرها ولا تقارن بسابقاتها، ويدرك العدو قبل الفلسطينيين أنها معركة مختلفة، إذ ما توقع نتائجها، ولا تحسب لتداعياتها، وما تنبأ بجنودها ولا خمن عمرها، ولا تخيل أبداً حجمها وعدد المشاركين فيها، وامتدادها كثورة وانتشارها كنار، وثباتها كجذرٍ وذيوعها كنور، والاحتفاظ بها كجذوةٍ تتقد عند الحاجة.

ولهذا فقد خاب فأله وطاش سهمه إذ ظن أنها معركة سهلة وقصيرة، وأنه سيسير فيها سير السكين في الزبد الطري، ولن يقوَ الفلسطينيون على اعتراضه، ولن يستطيع المقدسيون الوقوف في وجه، أو منعه من تنفيذ مخططاته، ولكنه فوجئ بالجوزة الفلسطينية التي لا تنكسر، والصخرة الوطنية التي لا تتحطم، والجحافل البشرية التي لا تتوقف، فأدرك أنها معركة خاسرة ومبارزة غير متكافئة، فانكفأ على عجل، وتراجع على مضض، وقبل مجبراً على العودة إلى ما كانت عليه الأوضاع فبل قراراته الطائشة.

الفلسطينيون أيضاً ما كانوا يتوقعون مسار المعركة ولا مآلاتها، ولم يخططوا بأنفسهم لفصولها، ولم يديروا دفتها ويحركوا أشرعتها حيث يريدون، بل إنهم ما كانوا يتمنون انفجارها، ولا يسعون لتأجيج نارها، فهم يخشون على الأقصى ويحدبون على مصيره، ويحرصون عليه ويخافون من تحويله، فلا يعطون العدو ذريعةً ولا يمنحونه فرصةً، ولكنهم كانوا دوماً على أهبة الاستعداد لحماية الأقصى والدفاع عنه، بل لفدائه والتضحية في سبيله، ولو كانوا عزلاً من السلاح، وأيديهم خالية حتى من الحجارة، وصدورهم عاريةً لا تحميها دروعٌ ولا تقيها الرصاص ستراتٌ واقية، ورغم ذلك فإنهم خاضوا معاركهم بثباتٍ، وقاوموا عدوهم باستبسالٍ مريرٍ، وقاتلوه باستماتةٍ عزَّ نظيرها، بقلوبٍ مؤمنةٍ تتقد قوةً وحماسةً، وتتحد في نبضها لتغدو جيشاً لجباً جراراً لا يعرف الهزيمة ولا يقبل بالانكسار، ولا يعطي الدنية ولا يسلم بالهوان، وبهذا استحقوا النصر وكان لهم عليه الظفر، ومَنَّ الله عليهم بانكفاء عدوهم، وانكسار هيبته، وتراجعه عن سياسته.

المعركة كانت تسير حسب ما يريد الفلسطينيون، وإن بدا العدو قوياً بحشده، ومسيطراً بآلياته ومعداته، ومتنفذاً بقراراته وسلطاته، إلا أن رياحه هبت بما لا تشتهي سفنه، بل هبت بما اشتهت سفن الفلسطينيين، إذ اتجهت نحو النتيجة التي يريدون، والغاية التي إليها يتطلعون، وكأن قوةً خفيةً تحركهم، وروحاً غريبةً تسري فيهم، وكأنهم في هذه المعركة جنودٌ لقائدٍ يوجههم، وخبيرٍ يسيرهم، وحكيمٍ ينصحهم، ولم يدر في خلدهم أنهم في هذه المعركة إنما يرسمون خيوط نصرٍ كبيرٍ، وينسجون أثواب عزةٍ غاليةٍ، ويرسون قواعد شرفٍ لا يدنس، وكرامةٍ لا تذل، فهذه معركةٌ لها ما بعدها، ترتبط بالماضي أصولاً وتتطلع للمستقبل وجوداً، وقد رأوا من أنفسهم عجباً ومن شعبهم صبراً، وهالهم صموده وتضحياته، وعناده ويقينه، وإرادته وتصميمه، واندفاعه وإقباله، فكان النصر الناجز والحسم السريع، والصمود الفريد والثبات منقطع النظير، والوحدة والتكاثف، والتوافق والتآلف، وفرحة الشعب وابتهاج الأمة، واحتفالات النصر وأهازيج الفرح.

خاض الفلسطينيون المعركة بجمعهم، وواجهوا عدوهم بوحدة صفهم، فكانوا محمديين في المقدمة وإلى جانبهم مسيحيون حضروا، رهبانٌ وكهنةٌ، وقساوسةٌ وأساقفة ومسيحيون عامة، في تآلفٍ فلسطينيٍ فريدٍ ولقاءٍ وطنيٍ عظيمٍ، كعقدٍ من اللؤلؤ والمرجان منضود، صلى المؤمنان معاً جنباً إلى جنبٍ، هذا يسجد في محرابه ويقرأ من قرآنه، وذاك يحمله صليبه ويرتل آياتٍ من إنجيله، وكلاهما يؤمن بأنها قدسٌ واحدة موحدة، للعرب كانت ولهم ستبقى، تحمل الهوية الإسلامية وتعيش الحضارة العربية، فيها أصالة العرب وسماحة الإسلام، سكانها الأولون عربٌ، وآثارهم تدل عليهم، وعمارها مسلمون ومساجدها شاهدة عليهم، والعدو أمامهم ضعيفٌ مهما بلغت قوته، وصغيرٌ مهما بدا كبيراً، ووحيدٌ مهما تعدد ناصروه واتحد داعموه، وكثر مؤيدوه.

المدافعون عن القدس والأقصى كثيرون، والرجال المضحون من أجله عديدون، والنساء كُنَّ معهم إلى جانبهم وقبلهم، يزين الصفوف ويتقدمن الزحوف، ويحرضن على الثبات، هؤلاء هم المرابطون والمرابطات، من عمق الوطن تسللوا ومن أطرافه أتوا، من المثلث والجليل، ومن عكا والناصرة، ومن جت وقلنسوة، وأم الفحم وكفر قاسم وغيرها، سبقوا الجميع وأقبلوا قبل الجار والقريب، فاجئوا أبناء وطنهم وأدهشوا الأمة بعظيم صنعهم وأصالهم فعلهم، إذ مدوا أيديهم إلى المقدسيين وشدوا عليها، ووقفوا إلى جانبهم وعززوا قوتهم، وشدوا بإرادتهم عزمهم، وهددوا بالبقاء في أماكنهم أو الاستشهاد في رباطهم، أو أن يتحقق على أيديهم النصر، ويكونوا سبباً في الحفاظ على الأقصى والذود عن حياضه، فكانوا في المعركة خير الرجال وأعظم الجند.

أما المقدسيون فكانوا لب الجيش وعماده وسواده الأعظم المضحي، تركوا بيوتهم ومشاغلهم، وأغلقوا محلاتهم وأهملوا تجارتهم، وأغلقوا مدارسهم وعطلوا جامعاتهم، وشدوا الرحال على عجلٍ إلى الأقصى يحمونه، وإلى بواباته يستقبلون القادمين، ويوجهون الوافدين، ويقومون على خدمة المرابطين من غير مدينتهم، والقادمين من مدن الضفة الغربية وعموم فلسطين، الذين تمكنوا من كسر الحصار وتجاوز الحواجز والبوابات، ووصلوا بأعجوبةٍ إلى القدس ومسجدها الأقصى، ليكون لهم سهمٌ في الدفاع عنه، ودورٌ في الذود عن حياضه الشريفة، فاختلطت الأجناد، وتنوع المقاتلون، وتعددت الجبهات، وتقسمت الأدوار، وتحددت المهام، ورسمت الأهداف، ووضعت الخطوط الحمراء والدوائر المحرمة، وقد عقد المقاتلون رايتهم، ورفعوا شعاراتهم، وأعلنوا مواقفهم، وبينوا شروطهم ومطالبهم.

دموعٌ وسواعدٌ، ودعاءٌ وعزمٌ، وتهديدٌ ووعدٌ، وتهليلٌ من بعد تكبيرٍ وأملٌ، كانت عدة الفلسطينيين وسلاحهم، وبها أثبتوا أنه يمكنهم بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى، أن يعتمدوا على أنفسهم، وأن يخوضوا المعركة بقدراتهم، وأن يواجهوا العدو بإمكانياتهم المحدودة، وقد أدركوا أنهم بما يملكون من إرادةٍ وصدقٍ، وعزمٍ ويقينٍ وإيمانٍ، يستطيعون انتزاع النصر من العدو، أو إجباره على التراجع، وإكراهه على التنازل، تماماً كمعارك الإضراب عن الطعام التي يخوضها الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون في سجونهم ومعتقلاتهم، إذ يستطيعون بمعداتهم الخاوية وأحشاءهم الضعيفة، أن يتحدوا صلف العدو وكبريائه، وأن يحققوا نصراً عليه اعتادوا، رغم أنهم في السجون وخلف القضبان والأسلاك والشائكة.

قد نكون بحاجةٍ ماسةٍ إلى نصرةٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ، وإلى مساندةٍ دوليةٍ ودعمٍ خارجي، وتأييدٍ شعبي ونصيرٍ رسمي، وحصانة سياسية وإمدادٍ عسكري، فنحن أضعف من العدو قوةً، وأقل منه عدةً، وما يملكه من أسلحةٍ نحن لا نملكها، ولكن تفوقه لا يدفعنا للاستسلام، وضعفنا لا يقودنا إلى الهزيمة، وأسلحته التي لا تخيفنا لن تقوَ على إبادتنا، ولن تتمكن من إخماد صوتنا وإنهاء مقاومتنا، وسيثبت الفلسطينيون لأنفسهم وغيرهم أنهم شعبٌ قادرٌ وجبارٌ، وسيأتي من بينهم داوود الفلسطيني بمقلاعه وسلاحه، وسيقتل بإذن الله جالوتهم الباغي، وسيقضي على ملكهم الطاغي.

د. مصطفى يوسف اللداوي

عدد الزيارات
354
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 19 كانون الثاني

مولود أنت بين التراب والهواء ، بين الثبات والمزاجية ، مما قد يخولك الوصول إلى أهدافك بجهد مرات وعن طريق الصدفة مرات أخرى . مولود…
2018-01-19 -

السيسي يحكم قبضته على المخابرات: نهاية عصر صراع الأجهزة:

انتهى عصر صراع الأجهزة في مصر، فالمخابرات الحربية انتصرت في خلافاتها مع المخابرات العامة، في خطوة تعزز استقرار نظام الرئيس السيسي قبل الانتخابات المقبلة؛ فبعد…
2018-01-19 -

حركة الكواكب يوم 20 كانون الثاني

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات…
2018-01-20 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 20 كانون الثاني

الحمل أنت تشعر أن المحيط لا يفهمك ولا يقدر مشاعرك وقد تتضايق من أمور عملية تتمناها ولكنك تشعر أنها بعيدة المنال الثور علاقات جديدة ولقاءات مهمة وتعارف أو مصالحات أو نقاشات عائلية فاستفد منها لتحقيق أحلامك والأهم أنك تقضي معظم أوقات فراغك على الهاتف الجوزاء أحذر بعض التصرفات العفوية التي…
2018-01-20 -

حركة الكواكب يوم 20 كانون الثاني

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات عطارد كوكب السفر والأوراق يتقدم في برج الجدي مما يحذر برج الحمل عمليا كوكب النزاعات و الطاقة في برج العقرب مما يحذر برج الأسد…
2018-01-20 -
2018-01-17 -

منتخب سورية الأولمبي يخرج من الدور الأول لبطولة آسيا

خرج منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم من الدور الأول لبطولة آسيا للمنتخبات تحت 23 عاما المقامة حاليا في الصين بعد تعادله اليوم أمام المنتخب… !

2018-01-20 -

تقرير الـsns: ما حقيقة موقف واشنطن من غزو عفرين.. أنقرة تربط حضور المعارضة سوتشي بوقف الجيش في إدلب.. العودة إلى لعبة الكيميائي القذرة..؟!

التقى سيرغي لافروف بمندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري في نيويورك أمس. وجرى اللقاء بين لافروف والجعفري داخل الأبواب المغلقة، على هامش أعمال… !

2018-01-19 -

ما سر المنديل الذي كانت تمسكه أم كلثوم بيدها؟؟؟

تشتهر أسطورة الطرب أم كلثوم بالعديد من الطقوس التي كانت تقوم بها قبل وأثناء حفلاتها الأمر الذي ميزّها أكثر عن باقي الفنانات، وأكثر ما ينسب… !

2018-01-20 -

الحرارة تميل للارتفاع وتحذير من حدوث الصقيع والضباب على المرتفعات وبعض المناطق الداخلية

تميل درجات الحرارة للارتفاع قليلا لتصبح حول معدلاتها في معظم المناطق مع تأثر البلاد بامتداد ضعيف لمرتفع جوي سطحي يترافق بتيارات شمالية غربية في… !

2018-01-17 -

المركز الوطني لتطوير المناهج: الموسيقا والزراعة والمعلوماتية بمنظور جديد في المدارس

ينتظر الطلاب عادة حصص الموسيقا والرياضة والمعلوماتية للخروج من جدية المواد الأساسية والحصول على قسط من الترفيه والراحة وإيجاد مساحة للتعبير عن مواهبهم وهواياتهم… !

2018-01-20 -

الصين تعلن زعامتها في مجال تصنيع الساعة الذرية الفضائية

أعلن العلماء الصينيون زعامة الصين في مجال تصنيع الساعة الذرية الفضائية التي تستخدم أحدث نماذجها في نظام " Beidou " الصيني للملاحة الفضائية. وقالت وكالة… !

2018-01-07 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما تشريعياً بتمديد العمل بالمرسوم (4) لعام2017 القاضي بتثبيت العاملين المؤقتين بعقود سنوية من ذوي الشهداء وتشغيل الشباب

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم التشريعي رقم 1 لعام 2018 القاضي بتمديد العمل بأحكام المرسوم التشريعي رقم 4 لعام 2017 لمدة سنة… !

2018-01-20 -

أخطر منظومات الدفاع الجوي الروسية في حوزة مصر وتركيا

أشارت مجلة "ناشونال انتريست" الأمريكية إلى امتلاك مصر وتركيا أخطر منظومات الدفاع الجوي الروسية. وذكّرت المجلة بالمميزات التي تتمتع بها أنظمة الدفاع الصاروخية الروسية "S… !

2018-01-18 -

وزير الإعلام لوفد منظمة فياآراب: الإعلام السوري تميز بإيمانه بوطنه وجيشه منذ بداية الحرب

أكد وزير الإعلام عماد سارة أن الوضع الإعلامي في سورية “جيد” رغم كل ما يتعرض له إلى الآن من محاربة وتشويه من قبل كبرى… !

2018-01-19 -

حظوظ الأبراج ليوم 19 كانون الثاني

الحمل   أنت في الشهر الأفضل فالسعادة ترافقك وتدخل حياتك بل وتدخل منزلك لأنك واضح في أخذك للقرارات وقد تأخذ قراراً مهماً لحياتك العاطفية يؤازرك فيه من حولك الثور هذا يوم فيه أجوبة قد تسبب ارتباك…

2018-01-20 -

حظوظ الأبراج ليوم 20 كانون الثاني

الحمل   أنت تشعر أن المحيط لا يفهمك ولا يقدر مشاعرك وقد تتضايق من أمور عملية تتمناها ولكنك تشعر أنها بعيدة المنال الثور علاقات جديدة ولقاءات مهمة وتعارف أو مصالحات أو نقاشات عائلية فاستفد منها لتحقيق…