الغـرب يبحث عن هـوية وقيـادة..؟!

مقالات مختارة

2017-07-17 -
المصدر : الحياة

كتب المفكر المصري جميل مطر في الحياة: قمة العشرين التي لم تثمر شيئاً مهماً. ما زالت موضع جدل. الرموز كانت كالعادة كثيرة، بل إن اختيار مدينة هامبورغ مكاناً لانعقاد المؤتمر كانت الرمزية وراءه واضحة. هامبورغ في التاريخ عبرت عن معان عدة. كانت دائماً ولاية مستقلة ذات سيادة؛ هامبورغ بتاريخها هي النموذج الأمثل لتاريخ أوروبا؛ تدمير وبناء. هي أيضاً أحد النماذج الأشهر للثورة الصناعية؛ كذلك كان وراء اختيار «عقدة الشراع» شعاراً لقمة العشرين مغزى. هذه العقدة التي يعرفها حق معرفة كل من عمل في البحر والموانئ، تعني لكل هؤلاء ولأولي الأمر أنه «كلما ازداد الضغط على أطراف الحبل ازداد تماسك العقدة وصار صعباً أو مستحيلاً انفراطها». أما الحبل فهو «الغرب» كما يراه منظمو قمة العشرين، وأما أطرافه، سواء الجغرافية أو الاقتصادية، أي التي تجتاز منذ مدة ظروفاً مالية صعبة، أو السياسية، أي التي اختارت الخروج من التزامات الوحدة الأوروبية والتي اختارت الانعزال وتفضيل مصلحة آنية جداً على مصالح الغرب، هذه الأطراف كلها تضغط بالتوتر والقلق وافتقاد الثقة وغياب الرؤية المتأنية، ويصبح الأمل منعقداً على العقدة أن تتماسك وتقاوم وترفض الانفراط؛

بمعنى آخر أرادت ألمانيا أن يكون عقد قمة هامبورغ فرصة أخرى لدق جرس الإنذار؛ أرادت أن تقول لكل دول الغرب هذه جماعتكم على شفا الانهيار، وفي أيديكم، وبالسرعة الواجبة، الأمل الوحيد لإنقاذها قبل فوات الأوان. في الواقع لم تكن السيدة أنغيلا مركل في حاجة لأن تقدم مزيداً من الشرح. هذه أعمدة الغرب تكشف عن نوايا لم تكن يوماً نوايا معسكر الغرب. أميركا، أو بالأحرى رئاسة ترامب، تتهرب وتهرب. مقبول أن ننظر في أمر عضو قليل المكانة ضعيف النفوذ والتأثير في الغرب خرج عن الإجماع وقرر أن يحمل شعار «بلدي أولاً»، سواء بهدف التحجج به أو إيماناً أو تحت تأثير دفقة وطنية تنتشر في عدد غير قليل من دول الغرب. أما أن تكون الدولة التي تهرب أو تتهرب هي القائد والمسير والموجه والممول والحارس فالأمر بالتأكيد يستدعي مناقشات عبر مؤتمرات متلاحقة من نوع هذا المؤتمر المنعقد في هامبورغ أو في غيرها.

أضف إلى هذه الدولة العظيمة التي تهرب أو تتهرب، دولة كبيرة أخرى قررت الخروج والبحث عن تجمعات أخرى تحصل من عضويتها فيها أو تحالفاتها من خلالها واتفاقاتها الثنائية مع بعض أعضائها على مزايا «عينية» تفوق تلك التي كانت تحصل عليها من عضويتها في الاتحاد الأوروبي؛ أضف أيضاً دولاً انضمت للغرب بكامل إرادتها بعد عقود من الخضوع لإرادة روسيا السوفياتية وهيمنتها؛ هذه الدول تريد حماية الغرب العسكرية وحصانته الاقتصادية والمالية ولكنها لا تريد التزام أخلاقياته السياسية والإنسانية، وحين ووجهت بهذا الالتزام في مسألة المهاجرين تمردت وأقامت الأسوار وجيشت حدودها.

وأوضح مطر أنّ هذه الأوضاع في الغرب، هي وغيرها، نبهت ألمانيا من ناحية أو ألمانيا ومعها فرنسا من ناحية أخرى، ونبهت روسيا من جهة والصين من جهة أخرى إلى واقع الفراغ في قيادة الغرب؛ لا سبيل أمام البولنديين وغيرهم من الذين استمعوا إلى خطاب ترامب في وارسو وهو في طريقه إلى هامبورغ إلا أن يزدادوا ثقة في أن هناك أزمة شديدة في قيادة الغرب؛ لم يكن مفاجئاً أو غريباً اتجاه معظم الآراء إلى أن ألمانيا أفضل القادرين على سد فراغ القيادة ومنع انفراط مؤسسات الغرب تحت ضغط الكرملين من جهة والبيت الأبيض من جهة أخرى. مع ذلك هناك من يحذر أو على الأقل يطالب بحماية هذا الاختيار، اختيار ألمانيا لسد الفراغ، ودعمه بأفكار وشركاء قيادة من داخل الغرب، وربما من خارجه إذا استدعى الأمر، وفي هذه الحال نكون أمام مشروع إقامة نظام دولي جديد لا يكون الغرب محوره أو مصدر هويته.

يعتقد المحذرون من التسرع في اختيار ألمانيا، وهي ذاتها لن توافق في الغالب، لمهمة قيادة الغرب لأن قيوداً مهمة تحول دون تولي ألمانيا هذه المسؤولية:

القيد الأول هو حقيقة أن ألمانيا ليست بقوة أميركا حتى تتولى خلافتها، ولن تكون في الأجل القصير ولا المتوسط؛ هنا تتضح أيضاً أهمية بدائل هذا الاختيار وخطورتها: أولاً احتمال أن تنفرد روسيا بالدول الحدودية «وتلتهمها» وفق تعبير معلق فرنسي؛ ثانياً أن ينقسم الغرب إلى تجمعات صغيرة حول مصالح ضيقة وتحالفات دفاعية موقتة؛ ثالثاً أن تأتي الصين وتعرض استعدادها لإقامة ثنائية قيادة تتحمل مسؤولية الدفاع عن الغرب من ناحية وآسيا من ناحية أخرى. عندئذ سوف يتعين على ألمانيا التنازل عن صفة العالم الحر التي تتمسك بها عندما تتحدث عن الغرب؛ رابعاً أن يسرع ماكرون في تنفيذ الإصلاح الاقتصادي الذي وعد به السيدة مركل ليستحق شرف المشاركة في القيادة الاقتصادية لمنطقة اليورو ثم الغرب والنظام الراسمالي العالمي.

القيد الثاني الذي يحول أو يعرقل مهمة تحمل ألمانيا مسؤولية القيادة هو تاريخها الذي تجره خلفها في حلها وترحالها؛ القيد الثالث هو الخلاف القائم داخل مجتمع الغرب بين دول تعتبر أن مسؤولية الغرب تنحصر في قضية النمو الاقتصادي ورخاء أمم الغرب، وبين دول تعتبر أن مسؤولية الغرب يجب أن تنحصر في المسائل الأمنية، أي الدفاع عن الدول الغربية ضد الأعداء الخارجيين وقوى الإرهاب. ألمانيا لا تريد حصر المسؤولية في أي من الأمن أو التنمية بل تضيف مسائل الحقوق والديموقراطية والحريات. في رأيها أن الغرب ليس غرباً إذا أهمل هذا الجانب من مسؤولياته.

وأوجز الكاتب: هذه القيود وغيرها من التحفظات على ضرورة تولي ألمانيا، منفردة أو مع فرنسا أو مع فرنسا والصين، مسؤولية ملء فراغ القيادة، لا تخفي حقيقة أننا واقعياً وجغرافياً وجيواقتصادياً نعيش على مشارف عالم جديد قاعدته أوراسيا، وألمانيا في موقع القلب منها.

-
عدد الزيارات
94
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم يتطلع إلى تجاوز نظيره الهندي في تصفيات بطولة آسيا

يتطلع منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم إلى تجاوز نظيره الهندي عندما يلتقيه عند الساعة الخامسة من عصر اليوم في العاصمة القطرية الدوحة في افتتاح مباريات…
2017-07-19 -

صفات مولود 19 تموز

معني في الدرجة الأولى بتأمين حياته وحياة أسرته في المقام الأول . يحب أن يكون مميزاً وهذا راجع لحبه للذوق والجمال . فترى بيته مزيناً…
2017-07-19 -

"علقة" بين مصطفى الخاني ومحمد خير الجراح!

نشر الفنان السوري مصطفى الخاني، مجموعة صور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أثناء وجوده في دبي مع الفنان السوري محمد خير الجراح، حيث ظهر الفنانان…
2017-07-19 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 20 تموز

الحمل الوضع العاطفي جيد فأنت تقبل على بث العواطف بشكل غير مسبوق وتعيش رغبات تشكك وتبدأ في تحويلها إلى واقع تعيشه الثور أنت بحاجة إلى التنظيم على الصعيد المالي كي لا تتعدى حدود الميزانية وعلى كل انتبه إلى مصروفك فلادخار شي جميل ولا تفكر فقط باليوم وفكر بالغد الجوزاء تكتشف…
2017-07-19 -

"علقة" بين مصطفى الخاني ومحمد خير الجراح!

نشر الفنان السوري مصطفى الخاني، مجموعة صور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أثناء وجوده في دبي مع الفنان السوري محمد خير الجراح، حيث ظهر الفنانان بطرافتهما المعتادة، وأرفق الخاني الصور بتعليق كتب فيه: علقت بنص دبي ... هالزلمة اذا مو كل فترة عملنالو فركة ادن مابيمشي حالو ... فورا بيتنمرد،…
2017-07-19 -
2017-07-19 -

منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم يتطلع إلى تجاوز نظيره الهندي في تصفيات بطولة آسيا

يتطلع منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم إلى تجاوز نظيره الهندي عندما يلتقيه عند الساعة الخامسة من عصر اليوم في العاصمة القطرية الدوحة في افتتاح مباريات… !

2017-07-20 -

تقرير الـsns: نتنياهو يقر في تسريبات: ضربنا سورية عشرات المرات.. وترامب ينهي برنامج «CIA» لتدريب المعارضة..؟!

تم تسريب تصريحات خطيرة لنتنياهو حول سياسية بلاده تجاه سورية خلال لقاء مغلق في بودابست، إلى الصحافة، بسبب خطأ ارتكبه القائمون على تنظيم الاجتماع. وجاء… !

2017-07-19 -

"علقة" بين مصطفى الخاني ومحمد خير الجراح!

نشر الفنان السوري مصطفى الخاني، مجموعة صور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أثناء وجوده في دبي مع الفنان السوري محمد خير الجراح، حيث ظهر الفنانان… !

2017-07-20 -

تقرير الـsns: اقتتال أحرار وتحرير الشام يعم ريف إدلب بالكامل..؟!

يشهد ريف إدلب اشتباكات تعتبر الأعنف، بعد تصعيد الاقتتال بين مقاتلي "هيئة تحرير الشام" التي تقودها "جبهة النصرة" من جهة، وجماعة "أحرار الشام" المتشددة من… !

2017-07-19 -

والد المصرية المتفوقة في الثانوية العامة يرفض منحة أمريكية: "مش هبيع بنتي"

أصبحت الطالبة المتفوقة بالثانوية العامة، مريم فتح الباب، التي تحدت ظروفها المعيشية الصعبة، وحصلت على مجموع 99%، حديث المجتمع المصري. وأكدت الطالبة مريم أن عائلتها… !

2017-07-19 -

واتساب يطلق ميزةً جديدة

أطلق تطبيق "واتساب" تحديثا يحمل ميزة مفيدة جدا لهواتف الأندرويد و"iOS" يسمح للمستخدمين بإرسال أي نوع من الملفات لبعضهم البعض، بعد أن كان يسمح فقط… !

2017-06-13 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات المحلية

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 172 لعام 2017 القاضي بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات… !

2017-07-20 -

وزير خارجية الفاتيكان سيناقش في موسكو الوضع في سورية وأوكرانيا

اعلن وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين أنه يأمل خلال زيارته لروسيا في أغسطس المقبل، مناقشة الوضع في سورية وأوكرانيا. وقال الكاردينال في وقت سابق… !

2017-07-12 -

بوتين يحيي الصحافة الناطقة بالروسية ولوكاشينكو يعتبر اللغة الروسية ثروة لبلاده

حيّا الرئيس فلاديمير بوتين رؤساء تحرير الصحافة الناطقة بالروسية المؤتمرين في مينسك وذكّرهم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم لتغطية الأحداث التي يشهدها العالم بحياد وشفافية.… !

2017-07-19 -

حظوظ الأبراج ليوم 19 تموز

الحمل  تنقل كل الملاحظات والانتقادات وتعمل على تحسن أمورك مستفيداً من كل من حولك والأهم أنك تقرأ المتغيرات الحاصلة حولك في العمل عموما الحظوظ مساعدة الثور  اليوم سعيد على الصعيد المالي نتيجة جهود قمت بها…

2017-07-19 -

حظوظ الأبراج ليوم 20 تموز

الحمل  الوضع العاطفي جيد فأنت تقبل على بث العواطف بشكل غير مسبوق وتعيش رغبات تشكك وتبدأ في تحويلها إلى واقع  تعيشه الثور  أنت بحاجة إلى التنظيم على الصعيد المالي كي لا تتعدى حدود الميزانية وعلى…