نصف عام منذر بالخطر

مقالات مختارة

2017-07-16 -
المصدر : الخليج الإماراتية

 

 

 عبدالله السناوي

قبل أن يدلف تموز إلى روزنامة الزمن تبدى الطقس حارقًا بأكثر مما هو طبيعي ومعتاد، كأنه انعكاس لما يجري فوق مسارح السياسة بأكثر أقاليم العالم اشتعالًا بالنيران، فكل شيء يكاد يخنق التنفس العام انتظارًا لما سوف يحدث في النصف الثاني من هذا العام، حيث تحسم الخطوط الرئيسية للمصائر والخرائط وموازين القوى الجديدة وحركة المصالح الدولية.

بدايات تموز شهدت الحسم العسكري للحرب على «داعش» في الموصل، ثاني أكبر وأهم مدينة عراقية، وبدأ العد التنازلي لإنهاء أية تمركزات أخرى على الأرض للتنظيم المتطرف، لكنه يصعب التكهن بالصورة التي يستقر عليها العراق.

إلى أي حد يمكن الحفاظ على وحدته؟ هذا السؤال إجابته معلقة في رقبة نصف العام المنذر.

الأكراد يستعدون مطلع الخريف لتنظيم استفتاء يدعو للانفصال، والولايات المتحدة تعطي إشارات متضاربة، لكنها لا تخفي تأهبها لبقاء قواتها بالعراق بعد انتهاء الحرب على «داعش»، والمشاحنات المذهبية تصعب من احتمالات التوافق الوطني.

المصير العراقي مرتبط بصورة كاملة بالمصير السوري. إذا ما قسم العراق فإن سوريا ستلقى المصير نفسه. وإذا ما نشأت دولة كردية في العراق وحكم ذاتي كردي في سوريا فإن الإقليم داخل لا محالة إلى حروب مفتوحة، حيث تشرع تركيا خطاً أحمر على مثل هذا السيناريو.

التقسيم ليس محتمًا، لكنه وارد بقوة، وأخطاره كألعاب الدومينو ممتدة بيقين إلى دول عربية أخرى. كما أن التقسيم يسهل تصفية القضية الفلسطينية فيما يعرف ب«صفقة القرن».

ما مستقبل «داعش» في ظل هذه التطورات المحتملة؟ هذا سؤال آخر ملغم بالرهانات المتناقضة والصراعات المتناحرة، والسيناريوهات المتوقعة تنذر بمخاوف لا سبيل إلى إنكارها، أو التجهيل بأسبابها.

هناك مساران متلازمان في أية إجابة ممكنة، كلاهما يؤثر بالعمق في الآخر والفصل بينهما مستحيل.

الأول، ما سوف ينتهجه التنظيم من صور عنيفة بعد استكمال دحره في العراق وسوريا وإنهاء دولته بقوة السلاح حدود قوته وقدرته على الضم والتجنيد والترويع واستعادة ما فقده من تمركزات على الأرض بصور جديدة ومناطق أخرى من ثغرات السياسة والمجتمع.

والثاني، ما سوف يستقر عليه الإقليم من أوزان وحسابات قوة بعد انتهاء الحرب على «داعش» في المشرق العربي فأية مشروعات تقسيم محتملة تعني بالضبط إخلالًا فادحًا بالحقائق الجغرافية والسياسية والإنسانية يفسح المجال واسعًا لزلازل عنف وإرهاب واضطرابات تعيد «داعش»، وأية تنظيمات متطرفة أخرى إلى صدارة المشهد بصور جديدة.

في الإجابات الشائعة عما بعد «داعش» كلام كثير عن إرهاب متوقع بالسيارات المفخّخة والعبوات الناسفة يصل إلى حيث يستطيع أن يضرب وصراعات داخلية محتدمة، وأخرى منتظرة مع «القاعدة» و«النصرة»، أيهم أكثر تعبيراً عن الفكر المتشدد وأشد عنفًا.

وفي الإجابات الشائعة ببلد مثل مصر كلام كثير آخر عن استراتيجية متكاملة لمكافحة الإرهاب تمتد إلى إصلاح الخطاب الديني وتجفيف البيئات الحاضنة بإصلاحات اجتماعية وسياسية دون أن تضفي السياسات المتبعة أية مصداقية على مثل هذا الكلام، فلا عدالة بادية في توزيع أعباء الإصلاح الاقتصادي ولا تخفيف جدي لأنين الطبقة الوسطى والفئات الأكثر عوزًا، ولا مشروع ثقافياً يطرح نفسه لمواجهة الفكر المتطرف، ولا الأداء الإعلامي يشجع على الحوار، وفكرة السياسة نفسها تكاد تغيب بالكامل.

هذه كلها أجراس خطر تستبق نصف عام منذر. إذا لم تتأكد سلامة الأوضاع الداخلية فإن كل شيء تحت حد التهديد دون قدرة كبيرة على صد مخاطره.

أرجو الالتفات إلى أن الجريمة الجنائية تلاحق الجريمة الإرهابية، والاثنتان مرشحتان للتمدد بالنصف الثاني من هذا العام.

بقدر ارتفاع منسوب الأزمة الاجتماعية تتوافر أسباب الجريمتين، فالبيئة الحاضنة واحدة، غير أن كل واحدة تعبر عن نفسها بطريقة مختلفة.

الثغرات الاجتماعية والسياسية والثقافية ممرات مفتوحة للإرهاب كي يتمركز ويضرب في الوجع مستهدفًا ضباطاً وجنود جيش وشرطة وأقباطًا على نحو منهجي مقصود لإفقاد الدولة ثقتها في نفسها.

أمام العواصف الجديدة، التي تتجمع نذرها في الإقليم، فإن تحسين البيئة العامة ورفع المظالم السياسية والاجتماعية من ضرورات مواجهة الإرهاب وتثبيت الدولة.

تثبيت الدولة عنوان جاد في أوضاع خطرة، لكن أي دولة؟ الدولة الدستورية أم دولة الأمن؟

هذا هو السؤال الأكثر جدية في النصف الثاني من العام المنذر.

ما يحفظ سلامة سيناء والبلد كله، ويصون الأمن بمعناه الحقيقي مدعومًا من مجتمعه، أن تمضي السياسات المتبعة وفق القواعد الدستورية الحديثة. أن يلعب الأمن دوره في المواجهة دون إخلال بكرامة المواطنين وحرياتهم. حتى الإجراءات الاستثنائية ينظمها الدستور. إذا لم يحدث تصحيح في معادلة الأمن والحرية فإن الإرهاب هو المستفيد الأول. وإذا لم يحدث تصحيح آخر لقواعد العدل الاجتماعي فالنتائج معروفة.

 

الاستنتاج الخاطئ لا يساعد على تحصين البلد أمام ما يحدث في الإقليم ولا في المواجهة مع الإرهاب.

التحصين مسألة توافقات وطنية، وأية توافقات شبه مستحيلة دون فتح المجال العام لكل رأي يلتزم بالقانون والدستور ولا يحرض على عنف وإرهاب.

خلال هذا الصيف من المنتظر أن يبدأ «العمل على إعداد خريطة طريق لما بعد الحرب في العراق وسوريا» حسب تصريح لافت للرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، أثناء قمة باريس التي جمعته مع الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب».

الكلام الرئاسي الفرنسي كاشف لما هو جارٍ وملتحق به أكثر من أن يكون داعيًا له.

يلفت الانتباه فيه أنه حدد الأطراف المشاركة في إعداد مثل هذه الخريطة بالدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وعدد من الدول الإقليمية لم يذكرها وممثلين عن النظام السوري.

المعنى الصريح تجاوز محادثات جنيف وأستانا بين النظام والمعارضة التي تتعثر حول سؤال: أين الأولوية.. للانتقال السياسي أم للحرب على الإرهاب؟

مشكلة المعارضة المسلحة أن قوتها على الأرض تآكلت، ولم يعد بقدرتها أن تؤثر في حركة الأحداث إلا بقدر ما تحوزه من دعم قوى دولية وإقليمية.

عندما يحين وقت النظر الأخير في ترتيبات القوة والنفوذ، فإن اللاعبين الهامشيين سوف يخرجون من المسرح ولا فرصة لرجاء من هنا أو هناك.. لعبة توزيع الجوائز والمغارم بدأت.

في جميع السيناريوهات يصعب أن تعود سوريا والعراق، وبقدر آخر اليمن وليبيا، إلى ما كانت عليه.

العالم العربي يختلف وعواصف النار تقذف حممها إلى هنا في مصر، حيث سيناء في مرمى الخطر. بقدر التنبه ينجو البلد بنفسه في نصف العام المنذر.

-
عدد الزيارات
106
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم يتطلع إلى تجاوز نظيره الهندي في تصفيات بطولة آسيا

يتطلع منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم إلى تجاوز نظيره الهندي عندما يلتقيه عند الساعة الخامسة من عصر اليوم في العاصمة القطرية الدوحة في افتتاح مباريات…
2017-07-19 -

صفات مولود 19 تموز

معني في الدرجة الأولى بتأمين حياته وحياة أسرته في المقام الأول . يحب أن يكون مميزاً وهذا راجع لحبه للذوق والجمال . فترى بيته مزيناً…
2017-07-19 -

"علقة" بين مصطفى الخاني ومحمد خير الجراح!

نشر الفنان السوري مصطفى الخاني، مجموعة صور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أثناء وجوده في دبي مع الفنان السوري محمد خير الجراح، حيث ظهر الفنانان…
2017-07-19 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 20 تموز

الحمل الوضع العاطفي جيد فأنت تقبل على بث العواطف بشكل غير مسبوق وتعيش رغبات تشكك وتبدأ في تحويلها إلى واقع تعيشه الثور أنت بحاجة إلى التنظيم على الصعيد المالي كي لا تتعدى حدود الميزانية وعلى كل انتبه إلى مصروفك فلادخار شي جميل ولا تفكر فقط باليوم وفكر بالغد الجوزاء تكتشف…
2017-07-19 -

"علقة" بين مصطفى الخاني ومحمد خير الجراح!

نشر الفنان السوري مصطفى الخاني، مجموعة صور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أثناء وجوده في دبي مع الفنان السوري محمد خير الجراح، حيث ظهر الفنانان بطرافتهما المعتادة، وأرفق الخاني الصور بتعليق كتب فيه: علقت بنص دبي ... هالزلمة اذا مو كل فترة عملنالو فركة ادن مابيمشي حالو ... فورا بيتنمرد،…
2017-07-19 -
2017-07-19 -

منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم يتطلع إلى تجاوز نظيره الهندي في تصفيات بطولة آسيا

يتطلع منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم إلى تجاوز نظيره الهندي عندما يلتقيه عند الساعة الخامسة من عصر اليوم في العاصمة القطرية الدوحة في افتتاح مباريات… !

2017-07-20 -

تقرير الـsns: نتنياهو يقر في تسريبات: ضربنا سورية عشرات المرات.. وترامب ينهي برنامج «CIA» لتدريب المعارضة..؟!

تم تسريب تصريحات خطيرة لنتنياهو حول سياسية بلاده تجاه سورية خلال لقاء مغلق في بودابست، إلى الصحافة، بسبب خطأ ارتكبه القائمون على تنظيم الاجتماع. وجاء… !

2017-07-19 -

"علقة" بين مصطفى الخاني ومحمد خير الجراح!

نشر الفنان السوري مصطفى الخاني، مجموعة صور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، أثناء وجوده في دبي مع الفنان السوري محمد خير الجراح، حيث ظهر الفنانان… !

2017-07-20 -

تقرير الـsns: اقتتال أحرار وتحرير الشام يعم ريف إدلب بالكامل..؟!

يشهد ريف إدلب اشتباكات تعتبر الأعنف، بعد تصعيد الاقتتال بين مقاتلي "هيئة تحرير الشام" التي تقودها "جبهة النصرة" من جهة، وجماعة "أحرار الشام" المتشددة من… !

2017-07-19 -

والد المصرية المتفوقة في الثانوية العامة يرفض منحة أمريكية: "مش هبيع بنتي"

أصبحت الطالبة المتفوقة بالثانوية العامة، مريم فتح الباب، التي تحدت ظروفها المعيشية الصعبة، وحصلت على مجموع 99%، حديث المجتمع المصري. وأكدت الطالبة مريم أن عائلتها… !

2017-07-19 -

واتساب يطلق ميزةً جديدة

أطلق تطبيق "واتساب" تحديثا يحمل ميزة مفيدة جدا لهواتف الأندرويد و"iOS" يسمح للمستخدمين بإرسال أي نوع من الملفات لبعضهم البعض، بعد أن كان يسمح فقط… !

2017-06-13 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات المحلية

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 172 لعام 2017 القاضي بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات… !

2017-07-20 -

وزير خارجية الفاتيكان سيناقش في موسكو الوضع في سورية وأوكرانيا

اعلن وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين أنه يأمل خلال زيارته لروسيا في أغسطس المقبل، مناقشة الوضع في سورية وأوكرانيا. وقال الكاردينال في وقت سابق… !

2017-07-12 -

بوتين يحيي الصحافة الناطقة بالروسية ولوكاشينكو يعتبر اللغة الروسية ثروة لبلاده

حيّا الرئيس فلاديمير بوتين رؤساء تحرير الصحافة الناطقة بالروسية المؤتمرين في مينسك وذكّرهم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم لتغطية الأحداث التي يشهدها العالم بحياد وشفافية.… !

2017-07-19 -

حظوظ الأبراج ليوم 19 تموز

الحمل  تنقل كل الملاحظات والانتقادات وتعمل على تحسن أمورك مستفيداً من كل من حولك والأهم أنك تقرأ المتغيرات الحاصلة حولك في العمل عموما الحظوظ مساعدة الثور  اليوم سعيد على الصعيد المالي نتيجة جهود قمت بها…

2017-07-19 -

حظوظ الأبراج ليوم 20 تموز

الحمل  الوضع العاطفي جيد فأنت تقبل على بث العواطف بشكل غير مسبوق وتعيش رغبات تشكك وتبدأ في تحويلها إلى واقع  تعيشه الثور  أنت بحاجة إلى التنظيم على الصعيد المالي كي لا تتعدى حدود الميزانية وعلى…