حكيم مرزوقي ...قصتي مع " الرصيف"

مقالات مختارة

2017-06-18 -
المصدر : صفحة الاستاذ حكيم مرزوقي على الفيس بوك

 سمعت يوما مكبّر صوت ينبعث من سيّارة لدفن الموتى يصيح في المشيّعين بعد أن قطع أدعيته على حين فجأة: " اطلعوا على الرصيف يا جماعة, ما معنا فرام, اللّي بيموت بيروح من كيسه وما معنا وقت ندفنو".. ثمّ عاد يكتم ضحكته ـ وبتكنيك ملفت ـ إلى مزاولة مهنته التي نخشاها ونحتاج إليها ـ غصبا عنّا ـ في آخر صفحة من حياتنا.
 عدت إلى بيتي الذي كان يتوسّط مقبرة "الدحداح" الشهيرة، ويحاصره موت كثير ثمّ عكفت على كتابة مسرحيّة "اسماعيل هاملت" التي كان بطلها مغسّلا للموتى بعد أن كان "مكيّسا " في حمّام السوق ضمن رحلته القدريّة لقراءة الجسد الإنساني حيّا وميّتا.
 يكشف "اسماعيل" ابن "ابراهيم " في نص المسرحية، كلّ خفايا وأسرار الجسد المسجّى أمامه من وشم وعجز واستعلاء، ويحاور أصحاب تلك الأجساد و يشاكسهم و ينتقم منهم وهم في عليائهم, أمّا التقاطع مع هاملت شكسبير فلأنّه جاء هذا اليوم ليغسّل جثّة عمّه الذي ظلمه كثيرا.. وربما رغبتي الدفينة في مشاكسة الأخ "وليم" ولي ذراعه الاستعراضية.
 أقول اليوم لنفسي بعد مضيّ أكثر من عقدين من الزمن على تلك المسرحيّة التي طافت بلاد العالم وعرضت وترجمت ونشرت ونالت الجوائز والتكريمات في بلد شكسبير: شكرا لذاك الصوت المنبعث من سيّارة دفن الموتى ذات يوم فقير وبائس... وذات رصيف حنون ودافئ.
 شكرا لكلّ أصدقائي الرّصيفيين ـ الأحياء منهم والأموات, الطيبين منهم والأوغاد ـ ,أكرهكم أحيانا لأنّكم دفعوني للكتابة غصبا عنّي.. وأنا الذي أعشق الحياة أكثر من الكتابة..
الرصيف هامش في صفحة مكتظّة اسمها المدينة, صفحة يزدحم فيها الكلام والمسرعون إلى حتفهم.
 الرصيف ضفّة نهر معدني نقطعها مرارا خائفين ومذعورين كالفئران تحت الزمامير والصّافرات والأضواء.. أعرف فتاة دهستها دابّة معدنيّة لأنّها كانت تعبر من رصيف إلى رصيف لأجل معانقة حبيبها المنتظر والمتغيّب منذ سنوات.
 الرصيف لا يعترف إلأّ بالأحذية المرهقة والمنتظرين ومع ذلك تتعدّى عليه دواليب السيّارات التي صنعت كي تخالف.
غنّى له "جاك بريل "و"لوي فيري" و"فرانك سينترا " وفيروز...
 وحده الرصيف يحفظ أرقام أحذيتنا ودموعنا وتيهنا.. هو من أحجار صبورة بينما الطريق من زفت قاس وعديم الإحساس.
 وقفت فوقه "عيشة " ( إحدى شخصيات مسرحياتي) زهاء ثلاثين عاما بوردتها الحمراء تنتظر حبيبها الذي وعدها على السّاعة (تنتين ونص)لتهرب معه خطيفة، ولم يأت...ولكنّه سوف يأتي...وربما أتى ولم تنتبه إليه.. هكذا كان يقول لها الرصيف..
 علّم ماسح الأحذية "أبو عرب الكردي " (شخصية من مسرحياتي أيضا)، كيف يقرأ الآخرين من خلال أحذيتهم.. وكيف عليه أن لا ينظر إلى الأعلى كثيرا.
 نبّه " صلاح صلّوحة" ـ الورّاق الأشهر في الشام ـ كيف يقرفص مثقّف حقيقي على الرصيف ويلتهم صفحات من كتاب لا يمتلك ثمنه الزهيد في غفلة منه ومن الزمن.
كنّا نلوم دمشق على ضيق أرصفتها فأصبحنا نشكرها، ذلك أنها تسمح لنا بالمكاتفة والتحيّة والعناق.
 الذين يتّخذون من الرصيف بيتا وعالما وفضاء معرفيّا في باريس مثلا , اصطلح الناس على تسميتهم ب"الكلوشار" نسبة إلى "سانت دي كلوش"، النبيل الذي كان يجمعهم كعروة الصعاليك في تكيّة خاصّة ويقدّم لهم وجبة من الحساء والكونياك الشعبي لمقاومة قسوة البرد وأصحاب السطوة الماليّة.
 صاروا الآن معلما من معالم عاصمة الثقافة والتنوّع وصار واجبا على السائح أن يقدّم لهم بعض النقود مقابل أن يلتقط صورة إلى جانبهم مع غيتاراتهم وكلابهم وشعورهم الحرّة ومفرداتهم النّابية.
 عندما اضطرّت البرجوازيّة الغربيّة إلى الارتفاع بعماراتها إلى السماء احتاجت إلى الممرّات والسراديب والدهاليز تحت الأرض فسكنها أناس العالم السفلي ليلا وخرجوا إلى الأرصفة نهارا ونشأت ثقافة "الاندر غراوند" أي التحتيون بكلّ معاناتهم وصرخاتهم التي يفترسها الزحام.
 أنشأت هذه الثقافة أسماء كثيرة في عالم الموسيقى والمسرح والرسم والشعر والغناء واقتحم بعضهم صالونات الثقافة ومشوا فوق السجّاد الأحمر وتحت الأضواء ومات الكثير منهم كما تموت الفئران.
 أمّا في عالمنا العربي فلا وجود ل "اندر غراوند" لأنّه لا وجود لميترو أنفاق وما يمكن أن يرافقه من بنى تحتيّة كالمتاجر و أنفاق الممرّات ومآوي السيّارات أو حتّى الصّرف الصحي.. فلا مكان للمهمّشين غير الأرصفة التي بدأت تضمر وتضيق و يقضم منها المستكرشون لصالح المتاجر والبنايات وأصحاب السيّارات العريضة.
 ليس الأمر دفاعا عن فئة الرصيفيين فمنهم الوغد والسّافل والأرعن وعديم الأخلاق، ولا يجمعهم إلاّ الرصيف ... لكنّها فئة همّشها المجتمع بل سحقها تحت دواليبه دون أن يستخدم الفرامل ,فرامل اسمها الإحساس بالآخر.
هذه هي الحياة, لعلّ لكلّ رصيف "رصيف " آخر ينظر إليه بفوقيّة واستعلاء..

عدد الزيارات
580
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

محافظة دمشق تصادر 6 كلاب وتؤكد أن تربيتها وتربية القطط ممنوعة.... ومصدر قضائي : الغرامة 300 ألف لكن يجب أن…

أكد مدير الشؤون الصحية في محافظة دمشق، ماهر ريا لميلودي اف ام، أن دعوات المحافظة لمصادرة الكلاب الأليفة في المنازل، تمت بناء على مرسوم تشريعي…
2017-07-26 -

حركة الكواكب يوم 27 تموز

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في الميزان مما يحذر مواليد برج السرطان عاطفيا و الجدي من احتيال و برج الحمل من وعود كاذبة…
2017-07-27 -

صفات مولود 26 تموز

كثير العقلانية كثير الحكمة . حديثه بليغ وفصيح ومقنع ومنطقي . كلامه حكيم وآراؤه صائبة . يفكر بعقله قبل عاطفته . عامل مجد يهتم بكلامه…
2017-07-26 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 27 تموز

الحمل لا تخاطر بعملك فأنت من الأشخاص الذين يضعون عملهم في المقدمة وهذا ما أنصحك به بأن تقدر ثمن سلوكك وفوائده وستجد أنك تسرف في استهلاك الوقت على الرفاهية ناسياً الضروري واللازم الثور اليوم جيد للخطوات الايجابية وللعلاقات وللسفر ولتعبر عن نفسك وعن رأيك وحاول أن تأخذ اليوم دور المصغي…
2017-07-27 -

حركة الكواكب يوم 27 تموز

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في الميزان مما يحذر مواليد برج السرطان عاطفيا و الجدي من احتيال و برج الحمل من وعود كاذبة عطارد كوكب السفر والأوراق يتقدم في برج العذراء مما يحذر برج الثور عمليا المريخ كوكب النزاعات و الطاقة في برج الأسد مما يحذر برج الثور…
2017-07-27 -
2017-07-24 -

مبروك...منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم يتأهل لنهائيات آسيا

تأهل منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم إلى نهائيات بطولة آسيا تحت 23 عاما 2018 في الصين بعد تعادله مع منتخب قطر بهدف لمثله في الجولة… !

2017-07-27 -

تقرير الـsns: شويغو: 4 كتائب من الشرطة العسكرية الروسية تنفذ مهامها في مناطق تخفيف التوتر السورية.. الجيش يسيطر على "السخنة":

أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن أربع كتائب من الشرطة العسكرية الروسية تقوم بتنفيذ مهماتها في مناطق تخفيف التوتر في سورية. وقال شويغو في… !

2017-07-26 -

يسرا توضح حقيقة خلافها مع عادل إمام!

أبدت النجمة المصرية يسرا رغبتها بالعمل من جديد مع الممثل عادل إمام. وأكدت في تصريح، أنّ كل ما نشر حول وجود خلافات بينهما أدت إلى… !

2017-07-26 -

الجيش يعيد الأمن والاستقرار إلى قرية البغيلية بريف حمص الشرقي ويوقع العديد من إرهابيي “داعش” قتلى ومصابين في دير الزور وريفها

أعادت وحدات من الجيش والقوات المسلحة الأمن والاستقرار إلى قرية البغيلية شمال شرق جباب حمد بـ 4 كم في ريف حمص الشرقي. كما نفذت وحدات… !

2017-07-24 -

ميداليتان و 7 شهادات تقدير للفرق السورية المشاركة في الأولمبيادات العالمية للرياضيات والفيزياء

تواصل الفرق السورية المشاركة في الأولمبيادات العالمية حصد المزيد من الميداليات الجديدة والسعي لمنافسة الفرق العالمية رغم كل التحديات والظروف حيث فاز الفريقان السوريان المشاركان… !

2017-07-26 -

هاتف بيكسل 2 القادم قد يكون الأسرع على الإطلاق!

تسعى شركات الهواتف الذكية كل عام إلى تقديم أجهزة تتنافس جميعها لتكون الأسرع، من بينها غالاكسي إس 8 وهاتف وان بلس 5، المزودة برقاقات بتقنية… !

2017-06-13 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات المحلية

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 172 لعام 2017 القاضي بتخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 50 بالمئة على المواد الأولية ومدخلات الإنتاج اللازمة للصناعات… !

2017-07-27 -

وقف لإطلاق النار على جميع جبهات جرود عرسال منذ السادسة صباح اليوم

أفاد الاعلام الحربي المركزي عن وقف لاطلاق النار على جميع جبهات جرود عرسال بدأ سريانه الساعة السادسة صباح اليوم وأوضحت الوكالة الوطنية للاعلام أن الاتفاق… !

2017-07-12 -

بوتين يحيي الصحافة الناطقة بالروسية ولوكاشينكو يعتبر اللغة الروسية ثروة لبلاده

حيّا الرئيس فلاديمير بوتين رؤساء تحرير الصحافة الناطقة بالروسية المؤتمرين في مينسك وذكّرهم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم لتغطية الأحداث التي يشهدها العالم بحياد وشفافية.… !

2017-07-26 -

حظوظ الأبراج ليوم 26 تموز

الحمل  وقتك وجهدك محدودان ولكي تحصل على أمانيك يجب أن تبذل بعض الجهد حتى ضد رغبتك لأن مزاجك رديء أحياناً ومتكاسل أحياناً وقد تصرف جهدك وطاقتك في زيارات وعلاقات وتنسى عملك المتراكم الثور تحس اليوم…

2017-07-27 -

حظوظ الأبراج ليوم 27 تموز

الحمل  لا تخاطر بعملك فأنت من الأشخاص الذين يضعون عملهم في المقدمة وهذا ما أنصحك به بأن تقدر ثمن سلوكك وفوائده وستجد أنك تسرف في استهلاك الوقت على الرفاهية ناسياً الضروري واللازم الثور اليوم جيد…