قطاع غزة بين سلاح البندقية وأنسنة القضية

مقالات مختارة

2017-06-14 -
المصدر : محطة أخبار سورية

قد ينطلي الأمر على البعض ويصدق التصريحات الإسرائيلية المخادعة، ويصغي السمع إلى دعايتهم المشوهة وإعلامهم المزيف، وحرصهم الكاذب وخوفهم المصطنع، واتصالاتهم المشبوهة وتواصلهم المريب، رغم أن تاريخهم يشهد على جرائمهم، وسجلهم بالكذب حافل وماضيهم بالكره عامر، ولا يوجد ما يدعونا للثقة بهم أو للإيمان بكلامهم والتسليم بوعودهم، وقد جربناهم كثيراً، واكتوينا بنارهم مراراً، وما زلنا نعاني من حصارهم الشديد واعتدائهم المتكرر، وتجنيهم الدائم علينا، ولعل المثل العربي القديم هنا يصدق عليهم وعلينا ويعبر عن حالنا وحالهم أصدق تعبير إذ يقول " الذي يُجَرِبُ المُجَرب عقلُه مُخرَب"، ونحن قد جربناهم كثيراً، وخبرناهم طويلاً، وعقلنا واعي ويقظ، ومستنيرٌ ورشيد، وليس معطلاً أو خرباً حتى يضحكوا علينا من جديد.

فقد كثرت في الأيام الأخيرة تصريحاتٌ منسوبةٌ إلى مسؤولين سياسيين وأمنيين وعسكريين وإعلاميين، على كل المستويات القيادية العسكرية والسياسية، وباتت تغطي وسائل الإعلام المختلفة، وتنتشر بين المواطنين الفلسطينيين والعرب، وتصل إلى أسماع الغرب وغيرهم، فيما يبدو أنهم يحسنون القول، ويصدقون النصح، ويريدون الخير للفلسطينيين في قطاع غزة، وأنهم يبحثون لهم عن حلولٍ منطقيةٍ ومخارج عملية، وأنهم لا يفكرون فعلياً في التضييق عليهم وحرمانهم من سبل العيش الإنساني الكريم.

ويدعون أنهم يتطلعون إلى التخفيف عنهم وتحسين أحوالهم والنهوض بمقدراتهم الاقتصادية، وتخليصهم من مشاكلهم الاجتماعية، وأزماتهم اليومية، وتوفير أفضل السبل لرعايتهم الصحية وتقديم أفضل الخدمات الطبية لهم، وإعادة بناء ما دُمِّر خلال الحروب الأخيرة، وتيسير مشاريع الاستثمار المحلية والأجنبية، وإدخال المعدات والآليات اللازمة، وتمكين الدول الداعمة والمؤسسات الراغبة في تقديم العون والمساعدة إلى فلسطينيي غزة، ورفع الحصار عنهم، وفتح معبر رفح بصورةٍ دائمةٍ، وتطوير عمل بقية المعابر التجارية ولتنقل الأفراد.

يمني الإسرائيليون قطاع غزة بالكثير من المشاريع، ويعدونهم بتحقيق العديد من أحلامهم، إذ يدرسون فكرة إنشاء جزيرةٍ عائمة قبالة شواطئ قطاع غزة، تشرف عليها وتديرها وترعاها دولٌ صديقة أو فرقٌ مختصة من الأمم المتحدة، وقد وضعوا الكثير من الدراسات والأفكار حول هذا المشروع، وقدموا التصورات الممكنة لتشغيل هذه الجزيرة المفترضة والاستفادة منها إلى أبعد مدى ممكن، في ظل الإجراءات الأمنية الواجب إتباعها، على ألا تقتصر الجزيرة على خدمات النقل والشحن، بل قد تتطور ليكون فيها ميناء للركاب، ومطار صغير للسفر، بحيث تستخدمه شركات طيران خاصة يتم الاتفاق معها، ممن تضمن السلامة الأمنية للإسرائيليين، وتتكفل الالتزام بكل الشروط المطروحة، وتقدم الخدمات الضرورية للسكان.

ويعدونهم بإمداداتٍ غير مقطوعةٍ من الكهرباء التي تولدها الشركات الإسرائيلية، وبوقودٍ دائمٍ للسيارات والآليات وشركة كهرباء غزة، وغازٍ للطهي ومشتقات نفطيةٍ أخرى، وأطعمة ومأكولاتٍ ومنسوجاتٍ وحليبٍ ومشتقات الألبان المختلفة، ويغرونهم بسياراتٍ حديثةٍ وأجهزةٍ متطورة تواكب الحضارة والتقدم، وتشغل الشباب وتملأ أوقاتهم، وتربطهم بالعالم الخارجي عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وبزيارة القدس الشرقية والصلاة في المسجد الأقصى، وأن يكون تعاملهم مع سكان قطاع غزة إنسانياً، يحفظ كرامتهم ويلبي حاجتهم.

لكنهم يشترطون لتقديم هذه الوعود وضمان هذه الالتزامات التي تبدو بالنسبة للفلسطينيين كالأحلام، أن يقبل سكان قطاع غزة بالتخلي عن سلاحهم، وتفكيك معداتهم، وردم أنفاقهم، وتسريح جنودهم، وتسليم برامجهم، وإتلاف أدواتهم ومواد التصنيع الخام التي لديهم، وتحويل معاملهم العسكرية إلى مصانع مدنية، وورش تصنيع السلاح إلى ورش حدادة وخدماتٍ مدنيةٍ، والتوقف التام عن كل أعمال التدريب والتأهيل والحفر والتخزين والتطوير والأبحاث العلمية المتعلقة بتقنية السلاح، وغير ذلك من قائمة المطالب الأمنية الإسرائيلية التي لا تنتهي، والتي ربما تصل إلى المطابخ، فتحصر الأدوات، وتختصر بعضها، وتفقد قيمة بعضها الآخر خصائصها لتصبح عديمة الفائدة وقليلة النفع.

ويريد العدو من المقاومة في قطاع غزة أن تمتنع عن ملاحقة العملاء والجواسيس، وأن تتوقف عن مطاردتهم ومعاقبتهم، وأن تفرج عمن هو معتقلٌ في سجونها، وألا تعتبر تعاونهم معها جريمة، وتخابرهم وإياها جاسوسية، وعليها أن تتعهد بضمان أمنهم وسلامتهم، وعدم المساس بحياتهم أو تعكير صفو عيشهم، ولعلهم يتطلعون أيضاً إلى عودة العملاء الفارين والجواسيس الهاربين، وتقديم كامل الضمانات لهم بعدم المساس بهم أو تهديدهم، بل والعفو عنهم وتأمينهم بين أهلهم وفي أحيائهم، ومعاقبة كل من يحاول إيذاءهم أو الاعتداء عليهم، في الوقت الذي تنشط هي بينهم، فتشغلهم لصالحها، وتجند آخرين للعمل معها.

يتصدر القادة العسكريون وكبار المسؤولين الأمنيين الدفاع عن هذه الأفكار والترويج لها، ولا يقتصر تبنيها على بعض الوزراء مثل إسرائيل كاتس، بل إن أغلب أعضاء المجلس الوزاري الأمني المصغر "الكابينت" يؤمن بها ويدعو إليها، ويرى أن فيها خلاصاً من قطاع غزة، وانعتاقاً من أزماته ومشاكله التي لا تنفجر إلا في وجهه، ولا تتعقد إلا أمامه، ولا يكون مسؤولاً عن خلق حلولٍ لها غيره، إلا أن وزير حربهم أفيغودور ليبرمان يصر على أن يسبق أي عطاء، وترتبط أي تسهيلات بأن يصبح قطاع غزة كله منطقة آمنة مسالمة، لا سلاح فيها ولا خطر منها، فلا تهدد عمقاً ولا تقلق جواراً.

يتوقع العدو الإسرائيلي أن يقبل قطاع غزة بشروطهم، وأن يلهث وراء رغبتهم، ويستجدي للحصول على وعودهم والظفر بها، وأن يتسابق لتنفيذ شروطه والالتزام بحدوده، وكأنه ما كان يقاتل إلا من أجل رفاهيته، وما قاوم إلا ليحصل على رغيف الخبز، وليستمتع بالكهرباء ويستجم على البحر، ويسكن في بيوتٍ فارهةٍ وشققٍ جميلةٍ، وما علم أنه حمل السلاح وقاوم إلا ليحرر أرضه، ويستعيد حقه، ويرفع أسوار وطنه، ويعلي في السماء أعلام بلده، وأنه قدم آلاف الشهداء وأضعافهم من الجرحى والأسرى، وخاض حروباً وتعرض لاعتداءاتٍ عدوانيةٍ همجيةٍ، ليعيش شعبه في كرامةٍ، ولترفع أمته رأسها بعزةٍ وإباءٍ وشممٍ.

لكن العدو الإسرائيلي يعرف يقيناً أن قطاع غزة بدون سلاحه سيكون ضعيفاً هزيلاً مسكيناً جائعاً متسولاً، وسيكون مطيةً سهلةً، ومفشة خلقٍ دائمةً، ولن يصغي إليه أحد، ولن تهتم به دولة، وسيكون أمام العدو أرضاً رخوةً، وسهلاً منبسطاً يعبره متى شاء، ويسير فيه سيراً هيناً يقطعه كسكين في الزبد الطري، إذ لا مقاومة دون سلاح، ولا صمود من غير قدرات، ولا شئ يخيف العدو ويردعه غير القوة، إذ ما توقف عن عربداته، وما امتنع عن غزواته لولا أن قطاع غزة مسلحٌ وقوي، وعنده ما يوجع به، ولديه ما يقتل به، ولهذا فإنه لن يتخلى عن سلاحه، ولن يخلع بزته العسكرية، ولن يسمح لعدوٍ أن يدوس كرامته، ويسحق هامته.

 د. مصطفى يوسف اللداوي                                                                                            

عدد الزيارات
648
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 18 كانون الثاني..عبد المنعم عمايري

حنون .. هادئ .. واثق من نفسه .. منظم .. أعصابه باردة.. صموت يحب عمله وبيته .. مخلص لزوجته .. رومانسي ومحب .. يمنح أعضاء…
2018-01-18 -

حركة الكواكب يوم 19 كانون الثاني

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات…
2018-01-19 -

تقرير الـsns: هل ستجلب قوات أمن الحدود الكردية الأمن للأكراد.. هل من مأزق تركي في الشمال.. وماذا تريد واشنطن..؟!

تحت عنوان: معركة الشمال السوري مع موسكو وطهران وأنقرة، كتب محمد بلوط ووليد شرارة، في صحيفة الأخبار: لن يكتفي الأميركيون بعدم الانسحاب من شرق الفرات…
2018-01-18 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 19 كانون الثاني

الحمل أنت في الشهر الأفضل فالسعادة ترافقك وتدخل حياتك بل وتدخل منزلك لأنك واضح في أخذك للقرارات وقد تأخذ قراراً مهماً لحياتك العاطفية يؤازرك فيه من حولك الثور هذا يوم فيه أجوبة قد تسبب ارتباك أو حيرة أو تشوش في الرؤيا فكن أقل حساسية فالشعور بالحساسية اليوم ليس له مبرر…
2018-01-19 -

حركة الكواكب يوم 19 كانون الثاني

المشتري كوكب المشتري كوكب الحظوظ السعيدة يتقدم في العقرب مما يحذر مواليد برج الأسد عاطفيا و الدلو من احتيال و برج الثور من فض شراكات عطارد كوكب السفر والأوراق يتقدم في برج الجدي مما يحذر برج الحمل عمليا المريخ كوكب النزاعات و الطاقة في برج العقرب مما يحذر برج الأسد…
2018-01-19 -
2018-01-17 -

منتخب سورية الأولمبي يخرج من الدور الأول لبطولة آسيا

خرج منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم من الدور الأول لبطولة آسيا للمنتخبات تحت 23 عاما المقامة حاليا في الصين بعد تعادله اليوم أمام المنتخب… !

2018-01-19 -

تقرير لـsns: شويغو يلتقي رئيسي أركانها واستخباراتها: تركيا تندفع إلى المعركة في عفرين.. سورية لتلرسون: لسنا بحاجة إلى دولار واحد منكم:

أكدت سورية تعقيباً على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون حول الأوضاع في سورية، أنه لا يحق لأي كان التدخل في شؤونها الداخلية ولو كان… !

2018-01-16 -

ميريام فارس توبخ حارسها “الضخم” أمام الجمهور!

وبخت المطربة اللبنانية ميريام فارس حارسها الشخصي، ضخم الجسم، أمام الجمهور وذلك في إحدى حفلاتها في العاصمة المصرية القاهرة. ويرجع غضب ميريام فارس من حارسها… !

2018-01-19 -

تقرير لـsns: سورية تعلن موافقتها على حضور اجتماع «فيينا».. والمعارضة بين فكي كماشة..؟!

 أبدت دمشق موافقتها على حضور جولة المحادثات المرتقبة في فيينا، يومَي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من الشهر الجاري، والتي دعا إليها المبعوث الأممي ستيفان… !

2018-01-17 -

المركز الوطني لتطوير المناهج: الموسيقا والزراعة والمعلوماتية بمنظور جديد في المدارس

ينتظر الطلاب عادة حصص الموسيقا والرياضة والمعلوماتية للخروج من جدية المواد الأساسية والحصول على قسط من الترفيه والراحة وإيجاد مساحة للتعبير عن مواهبهم وهواياتهم… !

2018-01-17 -

"القصر السماوي" قد يسقط فوق أوروبا محملا بمادة سامة

من المتوقع تحطم المحطة الفضائية الصينية "تيانغونغ-1" على سطح الأرض في غضون أسابيع قليلة، وفقا لما ذكره الخبراء. وأُطلقت المحطة الصينية في عام 2011، ولكنها… !

2018-01-07 -

الرئيس الأسد يصدر مرسوما تشريعياً بتمديد العمل بالمرسوم (4) لعام2017 القاضي بتثبيت العاملين المؤقتين بعقود سنوية من ذوي الشهداء وتشغيل الشباب

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم التشريعي رقم 1 لعام 2018 القاضي بتمديد العمل بأحكام المرسوم التشريعي رقم 4 لعام 2017 لمدة سنة… !

2018-01-19 -

تقرير لـsns: الناتو يوقع اتفاقا أمنيا مع قطر.. بلومبرغ: خطر شديد يواجه ولي العهد السعودي.. "تحالف المعتقلين" يتحين الفرصة.. والسعودية تنتهك حقوق الإنسان..؟!

أبرم حلف الناتو، مع وزارة الدفاع القطرية اتفاقية حول تعزيز التعاون بين الجانبين في مجال الأمن. وأوضح بيان للناتو أنّ "هذا الاتفاق في مجال الأمن… !

2018-01-18 -

وزير الإعلام لوفد منظمة فياآراب: الإعلام السوري تميز بإيمانه بوطنه وجيشه منذ بداية الحرب

أكد وزير الإعلام عماد سارة أن الوضع الإعلامي في سورية “جيد” رغم كل ما يتعرض له إلى الآن من محاربة وتشويه من قبل كبرى… !

2018-01-18 -

حظوظ الأبراج ليوم 18 كانون الثاني

الحمل   وضح أمورك واشرح وجهة نظرك فأنت تجيد التأثير على المحيط وأهم شعور يسعدك أنك لست وحيداً فالأصدقاء والأهل والحبيب يساهمون بمنحك الفرح والسعادة الثور لا تسمح للشك أن يدخل نفسك كن حسن النية بالآخرين…

2018-01-19 -

حظوظ الأبراج ليوم 19 كانون الثاني

الحمل   أنت في الشهر الأفضل فالسعادة ترافقك وتدخل حياتك بل وتدخل منزلك لأنك واضح في أخذك للقرارات وقد تأخذ قراراً مهماً لحياتك العاطفية يؤازرك فيه من حولك الثور هذا يوم فيه أجوبة قد تسبب ارتباك…