الإسرائيليون يحتلون القدس أم يحررونها

مقالات مختارة

2017-06-10 -
المصدر : محطة أخبار سورية

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

بلغ الاستخفاف الإسرائيلي بالعرب والمسلمين، والتهكم بهم والاستهزاء بمشاعرهم، وإنكار حقوقهم وعدم الاعتراف بمدينتهم، والتحريض عليهم والتشفي بهم، والانتصار عليهم والانتقام منهم، ونكئ جراحهم واستحضار هزيمتهم، في الذكرى الخمسين لاحتلال الشطر الشرقي من مدينة القدس، بما فيها المسجد الأقصى المبارك وبواباته وكنيسة القيامة ودروبها، درجةً عاليةً من الاستفزاز والإثارة، والتحرش المجنون والمماحكة السافرة، عبر عنها المسؤولون الرسميون في تصريحاتهم، والإعلاميون في مقالاتهم، والنشطاء في تغريداتهم، والمستوطنون بوسائلهم، والمتدينون بصلاتهم، وعامة شعبهم من المتشددين والمتطرفين، والمتدينين والقوميين، بأقوالهم العقائدية وبشعاراتهم الوطنية، والمؤيدون بزيارتهم، والمناصرون بمواقفهم، والزوار بولائهم، والسياسيون الدوليون بقلنسوتهم، وكل المناكفين للعرب والموالين للكيان بطريقتهم الخاصة.

إذ يحتفل الإسرائيليون في هذه الأيام من شهر حزيران لعام 2017 باليوبيل الذهبي لتحرير الشطر الثاني مدينة القدس، واستعادته من المحتلين العرب والغاصبين المسلمين، ويرون أنهم استطاعوا بعد ألفي عام من الحلم بالعودة والأمل في الدولة، أن يحققوا بعد أقل من عشرين عاماً من تحرير الشطر الغربي من مدينة القدس، توحيد مدينتهم، وإعلانها عاصمتهم الموحدة والأبدية، والمباشرة في التحضير لاستعادة هيكلهم، وبناء معبدهم، والعيش في ظلال مدينة "أور شاليم" المقدسة.

إنهم يعتقدون أنهم حرروا عاصمة ممالكهم القديمة، ومقر هيكلهم المفقود ومعبدهم المدمر، وأن ما قامت عصاباتهم المسلحة قديماً وجيشهم فيما بعد، إنما هو أمرٌ مشروعٌ ومباح، إذ كانوا يتطلعون لتحرير مقدساتهم، واستعادة أملاكهم من العرب الغاصبين لحقوقهم، ومن المسلمين الذين كانوا يمنعونهم من تحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم، وهو ما تحقق أخيراً بفعل العمل والإيمان، والتضحية والفداء، ويرى نتنياهو أن حرب العام 1967 قد أعادت الإسرائيليين إلى مناطق يعتبرها الشعب اليهودي قلب الوطن، لهذا يؤمن اليهود أنه لا رحيل من "الوطن" ولا تخلي عن قلبه، ولا قبول بتقسيمها أو بسيادة غيرهم على جزءٍ منها.

اليوم هم فرحون سعداء، يرقصون ويغنون، ويصلون ويترنمون، ويتبادلون التهاني والتبريكات، وبعض المستوطنين يغنون بعالي الصوت "وين الملايين... وين الشعب العربي ... الغضب العربي وين"، فقد غدت عاصمة ممالكهم القديمة محررة، وهي اليوم عاصمتهم الموحدة، فيها مقر رئاسة كيانهم وديوان رئيس حكومتهم، وفيها مبنى الكنيست الذي يشكل في ضميرهم إرثاً قديماً يحنون إليه، وها هي كبريات دول العام تتململ لتعترف بالقدس عاصمةً موحدةً لكيانهم، ومقراً دائماً لسفارات بلادهم، وعنواناً لزياراتهم ومكاناً للقاءاتهم، بعد أن ضعفت المعارضة، ووهنت المواقف العربية المعادية، وبات بعضها يقبل بمناقشة الفكرة والجلوس على طاولة المفاوضات للتوافق على حلول وسطٍ ترضي الإسرائيليين.

لم يعد الإسرائيليون يخفون أحلامهم، أو ينكرون مخططاتهم، أو يموهونها ويتسترون عليها، كما لم يعودوا يكذبون ولا يقولون الحقيقة التي يؤمنون بها ويعملون لأجلها، فليس ثمة ما يخيفهم ولا ما يقلقهم، فلا عرب يخيفونهم، ولا فلسطينيين يقاتلونهم، ولا مجتمع دولي يفرض إرادته عليهم، أو يمنعهم من التصرف وتغيير الحال، فقد استفردوا بالقوة، وسادوا بالدعم والإسناد، وطغوا بالعدوان، وفرضوا إرادتهم بضعفنا، وتمكنوا منا باختلافنا، وحققوا أحلامهم بانشغالنا، ونفذوا مخططاتهم باحترابنا، فلماذا يخفون اليوم فرحهم، ولا يسفرون عن أسباب احتفالهم، ومظاهر استبشارهم، إذ يرون المستقبل كله لهم والأمن معهم، والأرض والمقدسات لهم والعالم يؤيدهم، وأعداء الأمس يقفون إلى جانبهم، ويؤمنون لهم أسباب تمكينهم وعوامل بقائهم.

في ظل هذه المناسبة الأليمة علينا والسعيدة عليهم، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو أول الوافدين إلى مدينة القدس المحتلة مهنئاً، الذي عجل بزيارة الحائط الغربي، الذي يقدسه اليهود ويسمونه حائط المبكى، وقد اعتمر قلنسوتهم وحمل أمنيته، وكتبها على قصاصةٍ صغيرةٍ، ودسها كعادة اليهود في جدار الحائط الغربي، ولعلها ما كانت أمنيةً أو حلماً، بل كانت توصيةً وقراراً، وسياسةً ومنهاجاً، يلتزم بها وخلفه كما سلفه، وتتواصى عليها أجيالهم وتحفظها وتلتزم بها على مر الأجيال قياداتهم، وهو ليس بالرئيس المتدين حتى يحترم الأديان والمعتقدات، ولكنه تاجرٌ ورجل أعمال، يعرف كيف يقتنص الصفقات ويبرم العقود والاتفاقيات.

لم تتأخر نيكي هالي سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة، وممثلتها الدائم في مجلس الأمس، التي هرولت كرئيسها على عجل، لتهنئ وتبارك وتجدد العهد، فاقتفت آثاره بصخبٍ، واتبعت خطواته ما إن غادر وترك، فزارت ذات الأماكن، وحملت نفس الأمنيات أو التوصيات، ودست قصاصتها بين جدران الحائط، التي ربما تكون فيها قد عاهدت شعب إسرائيل، أن تبقى معه على العهد، وأن تصون الوعد، وأن تدافع عن دولتهم في أروقة مجلس الأمن الدولي، فلا تسمح بصدورٍ قرارٍ يدينها، أو توصيةٍ تحرجها، أو بيانات استنكارٍ لسياستها، وقد أعلنت أن الزمن الذي كانت تدان فيه إسرائيل في مجلس الأمن قد ولى ولن يعود، ولعلها تبدو أقرب إلى حلم القدس الموحدة من اليهود أنفسهم، وتبشر بها قبلهم وأكثر منهم.

فرحٌ هناك ومناحةٌ هنا، وأهازيجٌ وأناشيدٌ هناك ودموعٌ ومآسي هنا، واحتفالات صاخبةٌ في الجانب الإسرائيلي وأحزانٌ ومآتمٌ لدى العرب والفلسطينيين، الذين خسروا زهرة مآذنهم، وعروس بلدانهم، وقبلة إسلامهم الأولى، ومسرى رسولهم الأكرم ومعراجه إلى السموات العلى، التي تتزين بها بلادهم، وتتيه بها على غيرهم، وتزهو بها أمامهم، فقد ضاعت وسقطت، وديست ودنست، ونكست الأعلام من فوق رباها وسواريها، ورفعت مكانها أعلامٌ إسرائيليةٌ زرقاء، تحمل الحقد والعداء، وتخطط للمزيد من القضم والاستيلاء.

هل سيعترف العرب بتحرير القدس وعودتها إلى السيادة الإسرائيلية، وينسون حقهم فيها والأجيال، وطهرها وقدسها في القرآن، ويقبلون بأعلامهم الصهيونية فوق رباها ترفرف، وعلى مآذن مساجدها تشرف، وهل سيقبلون بروايتهم أنها كانت محتلة، وأن العرب قد اغتصبوها، والمسلمين قد احتلوها، وأنها قد عادت إليهم أخيراً مصداقاً لنبوءاتهم، وتنفيذاً للوعد القديم لهم.

أم سيرفضون هذا الواقع، وسيهبون لمواجهة هذا الصلف، وسينتفضون لاستعادة الحق، وسيسقطون الوهم الإسرائيلي، والأباطيل اليهودية، وسيجبرون قوى الشر في العالم على التراجع عن تأييدها، والكف عن غيها، والتوقف عن التهديد بالاعتراف بها عاصمةً لهم، وسيكون من بيننا صلاح الدين أو عمر، يحررها ويطهرها، ويعيدها إلى أحضان العروبة والإسلام، حرةً عزيزةً شريفةً، أبيةً طاهرةً كريمةً.


 

عدد الزيارات
471
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 18 تشرين الثاني

لو أحبك فسيحبك للأبد وقلما يتركك لأي سبب بل سيغفر لك أخطاءك وسيتحملك . حريص على ماله يصرفه حسب احتياجاته الضرورية ولا يستعمله للبذخ إلا…
2017-11-17 -

تقرير الـsns: «فيتو» روسي عاشر.. وتهديد أميركي لدمشق.. قمة روسية تركية إيرانية حول سورية في سوتشي22تشرين الحالي..

شهد مجلس الأمن الدولي، أمس، فصلاً جديداً من «المعارك» الروسية ــ الأميركية حول الملف الكيميائي السوري، خلال طرح وفدي البلدين مشروعي قرار حول تمديد عمل…
2017-11-17 -

تقرير الـsns: الكرملين: القمة الثلاثية في سوتشي ستتناول الأجندة السورية بأكملها.. والأردن يخشى من تنازلات بن سلمان للتطبيع مع إسرائيل..…

أعلن الكرملين أن اجتماع القمة الثلاثي بين زعماء روسيا وتركيا وإيران في مدينة سوتشي الروسية سيتناول الأجندة السورية بكامل طيفها. ولم يكشف المتحدث باسم…
2017-11-18 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 19 تشرين الثاني

الحمل كوكب المهنة في مكان يمنحك الحظوظ والإرادة والقدرة للحصول على تضامن المحيط مع أوضاعك العملية مما يؤهلك لتحسين عملك ولشرح وجهة نظرك والتأثير على من تحب الثور تعاون مع أصدقائك وحلفائك و اعتمد على من تثق في رأيه أو في محبته لأنه يستطيع أن يمنحك طاقة إيجابية الجوزاء تأخير…
2017-11-18 -

تقرير الـsns: الكرملين: القمة الثلاثية في سوتشي ستتناول الأجندة السورية بأكملها.. والأردن يخشى من تنازلات بن سلمان للتطبيع مع إسرائيل.. بانوراما المنطقة..؟!

أعلن الكرملين أن اجتماع القمة الثلاثي بين زعماء روسيا وتركيا وإيران في مدينة سوتشي الروسية سيتناول الأجندة السورية بكامل طيفها. ولم يكشف المتحدث باسم الرئاسة الروسية عما إذا كان الرؤساء الثلاثة سيصدرون بيانا رسميا في ختام المحادثات. وذكر بيان صدر عن الكرملين أن الاجتماع سيتناول الخطوات الواجب اتخاذها من…
2017-11-18 -
2017-11-18 -

في آخر مبارياته التحضيرية لنهائيات آسيا.. منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم يلتقي منتخب اندونيسيا للرجال

يلتقي منتخب سورية الأولمبي لكرة القدم مع المنتخب الإندونيسي للرجال اليوم في جاكرتا استعدادا لنهائيات كأس آسيا التي ستقام في الصين بداية كانون الثاني… !

2017-11-18 -

موسكو: واشنطن هي التي قتلت آلية التحقيق بشأن كيميائي سورية

حمل ميخائيل أوليانوف، مدير دائرة عدم الانتشار ومراقبة التسلح بالخارجية الروسية، واشنطن مسؤولية عدم تمديد ولاية آلية التحقيق الدولية بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في سورية.… !

2017-11-18 -

جون سينا ينشر صورة لتامر حسني!

في خطوة غير متوقعة، نشر المصارع العالمي جون سينا صورة عبر حسابه الرسمي على إنستغرام للنجم المصري تامر حسني، الأمر الذي أثار تساؤلات عدة بين… !

2017-11-18 -

"تدمر.. النهوض من الدمار": معرض تراثي في روما

تنظم جمعية “إنكونترو دي سيفيلتا” الإيطالية معرضا بعنوان “تدمر.. النهوض من الدمار” خلال الدورة الثلاثين للجمعية العامة للمركز الدولي لدراسة وصون وترميم الممتلكات الثقافية… !

2017-11-18 -

افتتاح مركز للتأجيل الدراسي والإداري في جامعة دمشق

أعلنت جامعة دمشق أنه اعتبارا من يوم غد الأحد سيتم افتتاح مركز التأجيل الدراسي والإداري لطلاب جامعة دمشق في كلية الحقوق بالجامعة. وأشار مصدر… !

2017-11-18 -

فيسبوك يمنع المستخدمين من حذف المنشورات!

يبدو أن فيسبوك ستجعل من المستحيل حذف المشاركات والمنشورات التي يكتبها المستخدمون على موقع التواصل الاجتماعي. وطرحت فيسبوك التحديث الجديد لتصعب عملية حذف المنشورات، أثناء… !

2017-10-31 -

مرسوم بتعيين الدكتور بسام ابراهيم رئيسا لجامعة البعث

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 313 لعام 2017 القاضي بتعيين الدكتور بسام بشير ابراهيم رئيسا لجامعة البعث. وفيما يلي نص المرسوم. المرسوم… !

2017-11-18 -

ألمانيا: مقاطعة قطر تهديد لتطور منطقة الخليج وتنميتها

انتقدت ألمانيا المقاطعة المفروضة على قطر من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر، معتبرة أنها تهدد النمو في المنطقة. وقالت الخارجية الألمانية، في تغريدة نشرتها مساء… !

2017-11-18 -

سورية عضو بالاتحاد الدولي للصحفيين.. عبد النور: الحضور الفاعل لفضح التضليل الإعلامي ضد سورية

وافقت اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي للصحفيين خلال اجتماعها في تونس اليوم على قبول عضوية اتحاد الصحفيين السوريين. وفي تصريح خاص لـ سانا أوضح رئيس اتحاد… !

2017-11-17 -

حظوظ الأبراج ليوم 18 تشرين الثاني

الحمل  يسعدك شعورك بالنجاح وتكتشف أن كفاحك مجدٍ وأن المحيط يساندك ويسعدك الحوار والعلاقات الاجتماعية والعائلية والحب الثور قد يطرأ ما يعيق مشروعا أو يعرقل بعض الأعمال أو الآمال فعبر عن آرائك ومشاعرك بتروي وحكمة…

2017-11-18 -

حظوظ الأبراج ليوم 19 تشرين الثاني

الحمل  كوكب المهنة في مكان يمنحك الحظوظ  والإرادة والقدرة للحصول على تضامن المحيط مع أوضاعك العملية مما يؤهلك لتحسين عملك ولشرح وجهة نظرك والتأثير  على من تحب الثور تعاون مع أصدقائك وحلفائك و اعتمد على…