أنتم الأحرار ونحن السجناء

مقالات مختارة

2017-05-08 -
المصدر : الميادين نت

حدّثتني المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد في لقائي معها عام 2008؛ إذ قالت لي: حين حكم عليّ الاستعمار الفرنسي بالإعدام، وكنت في الثامنة عشرة من عمري، أتت والدتي لتزورني، وكان من المفترض أن تكون تلك الزيارة الأخيرة، وأن يكون ذلك لقاءها الأخير مع ابنتها التي سوف ينفّذ فيها حكم الإعدام قريباً.

 

قالت لي والدتي لا تخافي يا بنتي ولا تحزني، ستكون مكانتك كبيرةً في الجزائر، والجزائر تستحقّ أرواحنا جميعاً، ولم تضعف والدتي، ولم تبكِ، بل حيّتني تحية المجاهدة الواثقة من النصر وانصرفت.

 

بعد أن انصرفت، وجدتُ السّجانة الفرنسية، التي كانت تراقب لقاءنا وتسمع كلّ كلمة، وجدتها تبكي، واعتقدتُ أنها ربما تبكي عليّ لأنني سوف أُعدم، فقلت لها لماذا تبكين؛ إذا كانت والدتي لم تبكِ، وأنا لم أبكِ، فلماذا أنتِ تبكين؟ قالت: أبكي على فرنسا؛ لأننا حتماً سنغادر الجزائر إذا كان الجزائريون والجزائريات بهذه العزيمة وهذا الإيمان!

 

والعزيمة والإيمان هما أساس انتصارات كلّ شعوب العالم على المستعمرين والطغاة والمرتزقة، وهما أساس حركات التحرر الوطنية التي انتشرت في بلدان آسيا وإفريقيا للتخلّص من الاستعمار الغربي الدموي، الذي كان ولا يزال يطمع بثروات الشعوب لبناء مجده وتحقيق ازدهاره.

 

اليوم نعيش تجربة جديدة تتطلّب من العرب عزيمة وإيماناً لا سابق لهما، حيث يواجه الفلسطينيون منذ 70 عاماً المحتلّ الإسرائيلي بأجسادهم النحيلة، التي لا يملكون سواها للمقاومة، وقد انتُزعت منهم كلّ أدوات المقاومة إلا عزيمتهم الصلبة، وإيمانهم العميق بفلسطين، وأنّ فلسطين تستحقّ منهم التضحية، وأنّ فلسطين باقية، ولا تزيدها معاناة المقاومين ودماء الشهداء إلا ألقاً وكبرياء ورسوخاً في ضمائر البشر، ولكنّ السؤال هو: لماذا افترض العرب والمسلمون أن فلسطين هي مسؤولية هؤلاء الأسرى فقط، على حين ينشغل المعنيون بالشأن الفلسطيني والعربي والإسلامي بتسويات وتنازلات لن تسمن ولن تغني من جوع، معتقدين أن قراراتهم وكلماتهم سوف تغيّر من مجرى المخططات الصهيونية التي لن تتوقف عند قضية فلسطين وحدها، بل هي تطمع بثروات عرب العراق وسورية والخليج، وهم في أضعف حالة من التمزق يساعدها الإرهاب الوهابي العميل؟ أما الاعترافات والتنازلات فهي بوالين فارغة وكلمات مسطحة لا يقيم لها المحتلّ وزناً، فهو ليس خائفاً، وليس قلقاً من صفوف متشرذمة وإرادات مبعثرة ورؤى لا يجمع بينها جامع، ولكنه قلق فقط من أمثال هؤلاء الأسرى المؤمنين بقضيتهم والمستعدّين لبذل آخر يوم من حياتهم في سبيل أن تحيا فلسطين، وأن تستمرّ الشعلة مضيئة في أيدي الأبناء والأحفاد، وكي لا تعتقد الأجيال القادمة أن أحداً لم يقاوم ولم يستبسل في سبيل القضية المقدسة.

 

لا شكّ أن السجانين الإسرائيليين، وهم يراقبون هؤلاء الأسرى، يشعرون بإحباط وقلق شديدين لأن قضية تمتلك روحاً وإرادةً مثل أرواح وإرادة هؤلاء المدافعين المؤمنين بها لا يمكن أن تموت أو أن تسقط في التقادم.

 

السؤال الآخر هو أن مليار مسلم ونيّفاً يعيشون اليوم في رحاب شهر شعبان، يستعدّون لاستقبال شهر رمضان المبارك، ومع ذلك لم يحوّلوا صيام الأسرى المقدس إلى صيام تسمع به البشرية في أصقاع الأرض الأربعة، ولم يحوّلوا هذا الاستبسال إلى حركة عالمية من أجل فلسطين ونصرة أسراها، والخاسر هنا ليس الأسرى مطلقاً، ولكنّ الخاسر الأكبر هم هؤلاء المتخاذلون أنفسهم من عرب ومسلمين؛ إذ إنهم يقوّضون مكانتهم في أعين العالم ويتسببون في إلغاء أيّ قيمة لهم في أنظار الآخرين، فأيّ مكانة ستكون للعرب والمسلمين الذين لم ينتصروا لإخوانهم ولقضيتهم، ومنذا الذي سوف يحسب حساباً لهم في أي مسألة أخرى؟

 

إنّ تجاهل معظم العرب والمسلمين لأهمية هذه المعركة الدائرة التي يخوضها هؤلاء الأبطال العزّل، يشير فقط إلى انفصال هؤلاء العرب والمسلمين عن دورة الحياة الحقيقية، وعن موازين القوى، وعن جوهر التفكير الإستراتيجي الذي يبقي الأمم ذات مكانة ورفعة في أعين الآخرين.

 

إن إخفاق هؤلاء أن يتجاوبوا بشكل لائق مع التضحيات العظيمة التي يقدّمها هؤلاء الأسرى لفلسطين والعرب جميعاً ولأمة المسلمين، هو أحد أبرز الأوجه للانقراض؛ إذ إن الأمم تنحدر وتنقرض حين تفقد البوصلة الجامعة بين أبنائها، وحين تتفكك الروابط بين أبنائها، ويصبح من شبه المستحيل أن تجتمع على كلمة سواء.

 

أي إن القصور الذي شهدناه من معظم العرب والمسلمين في التضامن مع الأسرى وحمل قضيتهم إلى رحاب المنطقة والعالم ليس قصوراً فلسطينياً يرتبط بالقرار الفلسطيني المستقلّ الذي أوصل دعاته الفلسطينيين إلى العزلة الحالية، وهو أيضاً قصور ذو دلالات خطيرة على المقصرين أنفسهم، وعلى احتمالات توجّهاتهم وحركاتهم المستقبلية، والمستوى الذي يمكن توقعه لهم: «لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين».

 

لا شكّ أن المعركة التي يخوضها هؤلاء الأسرى بأجسادهم السجينة وأرواحهم الأبيّة الشامخة هي معركة مشرّفة ومعركة رابحة بكلّ المقاييس، تنتصر بها الروح على الجسد، والعزيمة والإيمان على السلاسل وجدران السجون وقسوة السّجان، ولكنها معركة تدعو للتوقف والتفكير بمستقبل ومصير أمة في غياب أحزابها القومية، وفي ظلّ أحزاب إسلامية طائفية مزّقت الأمة وسلّمتها لقمةً سائغةً للعدوّ الغربي المتربّص بها لنهب واغتصاب الأرض والحقوق العربية.

 

إنها معركة تدعو للتأمل والتساؤل من السجناء؟ هل هؤلاء الذين يتحدّون أقسى الإجراءات بأجسادهم وإرادتهم؟ أم إنهم أولئك الذين يعيشون في أوهام التسويات والأكاذيب والانتصارات الشخصية الوهمية التي لا تتجاوز حدود تفكيرهم المحدود أصلاً؟ إنها معركة تظهر للعيان أن هؤلاء الأسرى هم الأحرار الحقيقيون، وأنّ من لا يمتلك إرادة وأدوات الانتصار هو السجين جسداً وروحاً وعقلاً وإرادةً وعزيمة.

 

عدد الزيارات
598
أدخل الحروف التي تراها ظاهرة في الصورة

تعليقات الزوار

تحميل المزيد من التعليقات

قد يعجبك أيضا

صفات مولود 17 تشرين الثاني

إنه العقرب الذي لا يرحم .. عقرب متملك بطريقة مستبدة . رأيه هو الذي يفرض .. لا يمتثل لآراء الآخرين ولا يقبل حتى أن يسمعهم…
2017-11-16 -

تقرير الـsns: ليبرمان قلق ويحذر.. وواشنطن تباشر خططها لسورية «ما بعد داعش»..؟!

استقبل الرئيس بشار الأسد، أمس، معاون وزير الخارجية الإيراني ورئيس وفد بلاده إلى محادثات أستانا، حسين جابري أنصاري، في دمشق، حيث بحث الطرفان آخر التطورات…
2017-11-16 -

تقرير الـsns: السعودية حلم الدولة اليهودية.. فماذا طلبت من محمود عباس.. وماذا بعد إعتقالات الرياض..؟!

ذكرت رأي اليوم، أنّ السعودية رسمت ثلاثة محددات أمام الرئيس محمود عباس لكي تشارك بقوة فيما أسمته بدعم “خيار الشرعية الفلسطينية” والتورط أكثر في عملية…
2017-11-16 -

إقرأ أيضا

حظوظ الأبراج ليوم 18 تشرين الثاني

الحمل يسعدك شعورك بالنجاح وتكتشف أن كفاحك مجدٍ وأن المحيط يساندك ويسعدك الحوار والعلاقات الاجتماعية والعائلية والحب الثور قد يطرأ ما يعيق مشروعا أو يعرقل بعض الأعمال أو الآمال فعبر عن آرائك ومشاعرك بتروي وحكمة فالصبر والحكمة مطلوبة منك اليوم للتغلب على بعض الصعوبات الجوزاء أفضل أعمالك هي التي تقوم…
2017-11-17 -

تقرير الـsns: «فيتو» روسي عاشر.. وتهديد أميركي لدمشق.. قمة روسية تركية إيرانية حول سورية في سوتشي22تشرين الحالي..

شهد مجلس الأمن الدولي، أمس، فصلاً جديداً من «المعارك» الروسية ــ الأميركية حول الملف الكيميائي السوري، خلال طرح وفدي البلدين مشروعي قرار حول تمديد عمل لجنة التحقيق الخاصة بتحديد المسؤولين عن استخدام أسلحة كيميائية في سورية. وتم إسقاط المشروع الروسي، لتعود موسكو وتستخدم حق النقض ضد المشروع الأميركي. وعقب «الفيتو»…
2017-11-17 -
2017-11-17 -

تشرين يسعى لتعزيز صدارته للدوري الممتاز لكرة القدم

يسعى فريق تشرين الى توسيع فارق النقاط مع الجيش لتعزيز صدارته للدوري الممتاز لكرة القدم نظراً لتأجيل مباراتي الأخير في الجولة الماضية وهذه الجولة… !

2017-11-17 -

لافروف يصف تصريحات نيكي هايلي بالكاذبة

وصف سيرغي لافروف بالكذب تصريحات مندوبة الولايات المتحدة لدى مجلس الأمن الدولي نيكي هايلي حول محاولات واشنطن صياغة مشروع قرار مشترك مع موسكو بشأن كيميائي… !

2017-11-17 -

سيلفستر ستالون: اتهامات الإعتداء الجنسي “مثيرة للسخرية”

نفى الممثل الامريكي سيلفستر ستالون يوم الخميس اتهامات منسوبة إليه بشأن الإعتداء جنسياً على فتاة تبلغ من العمر 16 عاماً في عام 1986 . وقالت… !

2017-11-17 -

محروقات: 400 ليتر لكل أسرة توزع على دفعتين

أكد مدير عام شركة محروقات سمير الحسين أن "مخصصات كل أسرة من مازوت التدفئة 400 ليتر سيتم توزيعها على دفعتين في نهاية عام 2017 وبداية… !

2017-11-16 -

100 منحة للدراسة في الجامعات الإيرانية

أعلنت وزارة التعليم العالي اليوم عن تقديم 100 منحة دراسية للمرحلة الجامعية الأولى بمختلف الاختصاصات المتوافرة في الجامعات الإيرانية باستثناء الطبية للعام الدراسي 2017… !

2017-11-15 -

يوتيوب "تقتل" الخاصية الأكثر إزعاجا على منصتها

أعلنت يوتيوب أنها ستتوقف عن عرض الروابط التي تظهر عبر مقاطع الفيديو خلال المشاهدة، والتي تروج لفيديوهات أخرى، اعتبارا من 14 كانون الأول المقبل. وعلى… !

2017-10-31 -

مرسوم بتعيين الدكتور بسام ابراهيم رئيسا لجامعة البعث

أصدر السيد الرئيس بشار الأسد اليوم المرسوم رقم 313 لعام 2017 القاضي بتعيين الدكتور بسام بشير ابراهيم رئيسا لجامعة البعث. وفيما يلي نص المرسوم. المرسوم… !

2017-11-17 -

تقرير: الأردن يخشى من تنازلات بن سلمان للتطبيع مع إسرائيل

أبدى الأردن قلقه من سعي السعودية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من أجل إقامة تحالف لمواجهة إيران، ومن استعداد الرياض للتنازل عن حق الفلسطينيين في العودة… !

2017-11-15 -

ترامب: في آسيا اضطررت لمشاهدة "CNN" وتأكدت أنها سيئة وفاشلة

انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جديد عمل قناة "CNN" الأمريكية، واصفا إياها بالمزيفة والفاشلة. وكتب ترامب في حسابه على موقع "تويتر" الأربعاء: "كنت مضطرا… !

2017-11-16 -

حظوظ الأبراج ليوم 17 تشرين الثاني

الحمل  اقترب ممن تحب وممن تثق وأعطِ الفرصة لمن يحبك لإثبات محبته فقد لا تدرك أهمية إحساسك أنك مدعوم بمحبة الآخرين حتى تحتاجها الثور اضبط انفعالاتك واهتم بمسيرتك وتجنب ارتكاب بعض الهفوات الصغيرة ولا تغضب…

2017-11-17 -

حظوظ الأبراج ليوم 18 تشرين الثاني

الحمل  يسعدك شعورك بالنجاح وتكتشف أن كفاحك مجدٍ وأن المحيط يساندك ويسعدك الحوار والعلاقات الاجتماعية والعائلية والحب الثور قد يطرأ ما يعيق مشروعا أو يعرقل بعض الأعمال أو الآمال فعبر عن آرائك ومشاعرك بتروي وحكمة…