تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x

ضجيج الحرب النووية (لا) يبلغ موسكو: جاهزون للتصعيد الأقصى

مصدر الصورة
الأخبار اللبنانية

السادسة مساءً، وشمس حزيران الحارقة تضيء فلك العاصمة الروسية، كأنه منتصف النهار. يمتدّ النهار هذه الأيام حتى ما قبل منتصف الليل، وحين يحلّ العتم لا يحلك كما الليل في بيروت ودمشق، التي انطلقت منها رحلة الوصول إلى موسكو. حُبيبات القطن التي ترميها أشجار الكستناء الباسقة حاملةً غبار الطلع الربيعي، تتطاير كثيفةً كالثلج مع الهواء في شتى أنحاء المدينة، مسبّبةً حساسيةً تنفّسية للكثير من السكان.

لكنّها أيامٌ لا يُفوِّت فيها الموسكوفيون هديّة السماء، فتراهم في الحدائق والشوارع يستقبلون الدفء أفواجاً، بعد موسم البرد والجليد.

هنا في قلب المدينة، لم يغيّر الهجوم الإرهابي الذي استهدف قاعة «كروكوس سيتي هول» في كراسنوغورسك، نهاية آذار الماضي، في طبيعة الأمان الذي تنعم به موسكو. تعمر الساحة الحمراء والمنطقة المحيطة بها بطقوسها المعتادة، ويتفتّل آلاف الروس والسيّاح الآسيويين والعرب على معالم الحارات، بينما صفوف الانتظار تكتظّ أمام المقاهي والمطاعم. وقد يلمح الزائر صدفةً دوريّة راجلة للشرطة يحمل أفرادها رشاشات «كلاشينكوف».

موسكو وقلبها لا يختصران روسيا، لكنّهما مؤشّران مهمّان إلى أحوال البلاد. تجاوزت العاصمة الروسية والمنطقة الأوسع حولها خطر الطائرات الأوكرانية المُسيّرة، والذي ظهر مقلقاً للسكان قبل نحو عام، حتى شعروا باقتراب الحرب، كما تجاوزت سريعاً الاعتداء الإرهابي. لا شيء في موسكو، يوحي بأن الحديث عن حرب نووية تكون روسيا أحد أطرافه، يدور في العالم.
في بوكلونايا غورا، شمال غربي المدينة، أقامت وزارة الدفاع الروسية معرضاً لأسلحة حلف «الناتو» التي غنمها الروس من القوات الأوكرانية خلال المرحلة الأخيرة. معلم جديد بالنسبة إلى السياح، ومصدرٌ للمعنويات بالنسبة إلى المواطنين الروس، الذين حضروا بكثافة لرؤية الدبابات والمدرّعات الأميركية والأوروبية والتركية محترقة أو مسيطراً عليها في قلب عاصمتهم، بينما يقصّ عليهم ضباط القوات المسلّحة الروسية حكاية كل سلاح. ولكي يكتمل المشهد، وضع الروس مدفعاً ألمانياً قديماً غنموه من القوات الأوكرانية في باخموت، وعلّقوا عليه بالروسية: «الزمن يعود»، بالإضافة إلى معرض صورٍ تاريخية للزعيم الروسي جوزف ستالين، يستعرض الغنائم الروسية من الجيش الألماني في ساحات موسكو بعد السيطرة على برلين.

يبدو أن محطّتي الحرب في أوكرانيا والعدوان على غزّة كشفتا إسرائيل أمام روسيا الحديثة


في مبنى وزارة الخارجية الروسية في ساحة سمولينسكايا، يبدأ نائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف، يومه باكراً. الدبلوماسي المخضرم عاد لتوّه من القمّة العربية في البحرين، ويُحَضِّر نفسه للسفر إلى سان بيترسبورغ. على الرغم من انشغاله بأوكرانيا وملفات خارجية كثيرة أخرى، يتابع بوغدانوف يوميات السياسة اللبنانية والمعركة في الجنوب، ويسأل عن لبنان «حكر ووكر». نائب وزير الخارجية غير مطمئنّ إلى الجبهة اللبنانية وإمكان اندلاع حرب واسعة، لكنّه يفهم توازن الرعب الحاصل بين إسرائيل و«حزب الله».

يعيد بوغدانوف التأكيد على موقف روسيا بخصوص ضرورة وقف إطلاق النار الفوري في غزّة، وانتقاد الدعم الغربي المطلق لإسرائيل والذي يساهم في إطالة أمد الحرب. أمّا في أوكرانيا، فلا ينظر بوغدانوف إلى التطوّرات السياسية الغربية لناحية تشجيع القوات الأوكرانية على استهداف عمق الأراضي الروسية بأسلحة «الناتو» الجديدة، سوى كتصعيد جديد في سياق القرار الغربي بالحرب على روسيا. يُذكّر بوغدانوف بالمبادرات والاتفاقيات التي سعت إليها ووافقت عليها روسيا منذ عشر سنوات وحتى اليوم، وكيف يردّ الغرب كل مرة بالتصعيد ونكث الاتفاقات. أما في فلسطين، فيؤكّد بوغدانوف أن روسيا من أُولى الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، وهي لا تزال ثابتةً على هذا الاعتراف.
لا يشكّ رئيس «معهد الاستشراق» في أكاديمية العلوم الروسية، فيتالي نعومكين، من جهته، في أن النصر سيكون حليف روسيا في ساحة أوكرانيا. النصر عند نعومكين يتمثل في عودة الأراضي الروسية كاملةً إلى كنف موسكو وإزالة قدرة أوكرانيا على تهديد الأراضي الروسية.

لا ينطلق الباحث من مشاعره تجاه بلاده، إنّما ما يسمّيه أسباباً سياسية موضوعية عديدة للنصر الروسي، منها أن روسيا لم تعد وحدَها في مواجهة «الغرب الجماعي»، فضلاً عن أسباب عسكرية أوّلها «تعب الشعب الأوكراني من مدّ نظام زيلينسكي بالجنود، بينما يطوّر الجيش الروسي نفسه ويضم مجنّدين جدداً ويفتتح المصانع الجديدة التي تعمل على مدار الساعة».
يتجنّب الدبلوماسيان المحترفان الدخول في التفاصيل العسكرية، خصوصاً مع خطاب الرئيس فلاديمير بوتين حول إمكانية استخدام روسيا أسلحتها النووية غير الاستراتيجية، والمرحلة الثانية من المناورات الروسية لهذا الصنف من الأسلحة مع القوات البيلاروسية. ما لا يقوله الدبلوماسيان، يُسمع بالهمس من مسؤولين ومحلّلين آخرين. بالنسبة إلى هؤلاء، يغامر الغرب في إحراجه روسيا وتهديده عمق أراضيها عبر دعم أوكرانيا بصواريخ أرض ـ أرض الجديدة ذات المديات المتوسطة، بما يهدّد أكثر من عشرة مواقع نوويّة روسية، والمخطّط المستمر لضرب الأسطول الروسي في البحر الأسود وطرد الروس من القرم. التضييق الغربي يدفع روسيا إلى استعراض قدراتها بالأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية، للردّ على التصعيد، ومنع تغيير واقع الميدان وما تحقّق من تقدّم للروس؛ والردّ ليس فقط على استهداف القوات الأوكرانية على خط الجبهة وفي العمق، بل على أهداف غربية في أوكرانيا.

لا يقف السيناريو عند هذا الحدّ، فروسيا أيضاً تضع في حساباتها قيام الغرب بالرد على خطواتها بأسلحة موازية، بما يضعها أمام خيار استخدام أسلحة استراتيجية ويضع العالم بأسره أمام خيارات صعبة.
أما فلسطينياً، فيبدو جليّاً التعاطف الشعبي والرسمي الروسي مع أهالي غزة ضد حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل عليهم، مدعومة من الدول الغربية. في الشارع، انعسكت جرائم إسرائيل نقمة عند غالبية الروس، خصوصاً أن العدوان على غزّة جاء بعد الموقف الإسرائيلي المؤيّد لزيلينسكي، فيما على المستوى الرسمي، يبدو أن محطّتَي الحرب في أوكرانيا والعدوان على غزّة، وظهور إسرائيل كمحمية أميركية كاملة، كل ذلك كشف إسرائيل أمام روسيا الحديثة، تماماً كما كانت كُشفت في الماضي أمام الاتحاد السوفياتي.

مصدر الخبر
الأخبار اللبنانية

إضافة تعليق جديد

نص عادي

  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.
اختبار رمز التحقق هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرًا بشريًا أم لا ولمنع إرسال الرسائل غير المرغوب فيها تلقائيًا.